عائدون من تركيا !

تم نشره في الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

 خلال الاسبوع الماضي اختتم البنك وصندوق النقد الدوليين اجتماعاتهما السنوية التي عقدت في مدينة اسطنبول التركية، وصادفت عددا من الذين شاركوا في تلك الاجتماعات التي لم تسفر عن نتائج تذكر، ولكن القاسم المشترك بين  الحضور كان الانبهار الذين أظهروه وردة الفعل حول القدرات التنظيمية والتطورات التي حصلت على كبرى المدن التركية واطرافها.

وقياسا بما كان الوضع عليه الى ما قبل سنوات فإن المراقب لا يمكن إلا أن يعترف بأن تركيا وضعت قدمها على الطريق الصحيح وهي تسير بثبات كي تصبح "معجزة اقتصادية" بمحاذاتنا. فهي صناعية-زراعية من الطراز الأول واستقبلت نحو 28 مليون سائح خلال العام الماضي.

حاولت تركيا على مدى سنوات مواءمة شروط الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وبذلت جهودا كبيرة في ذلك الاتجاه لا شك ساعدتها في تجاوز الكثير من العقبات، وحتى  منتصف الثمانينيات كانت تركيا تعاني من مديونية خارجية هائلة، وكانت من أكثر الدول انتشارا للفساد، وكان حكم العسكر والتقلب هو السمة الواضحة، وكانت بكل ما تملك من  موارد  خاضعة  لرحمة صندوق النقد الدولي لدرجة أن محافظ البنك المركزي التركي كمال درويش جاء من صندوق النقد لضبط ايقاع الاقتصاد لضبط المديونية الهائلة والتضخم.

وخلال عقدين حصل تحول لافت في تركيا تمثل بالاحتكام الى الديمقراطية التي يصفها البعض بانها ديمقراطية "مشروطة" ، ونعلم  الآن  أن بعض الأحزاب التي كانت محظورة تحكم، وتحقق استقرارا وتقدما لم يبهر المشاركين في  المؤتمر فحسب، بل أبهر العالم، وحينما أدارت أوروبا ظهرها لتركيا لم تحبط تركيا، بل ولّد ذلك تحديا كبيرا دفعها الى تكريس  الاعتماد على الذات وتحقيق استقرار اقتصادي فارقها لعقود.

وللتذكير فإن تركيا اتخذت كذلك مواقف سياسية بدءا من الحرب على العراق والتصويت المشهور في البرلمان ضد مشاركة القوات التركية فيها، الى موقفها وموقف رئيس وزرائها اردوغان من الحرب على غزة، وجاء موقف الحكومة منسجما مع الشعب. واستمرت مسيرة الاصلاح والتقدم بحيث تقترب تركيا بحجم اقتصادها البالغ 729  بليون دولار ونصيب الفرد من الناتج 12 ألف دولار من  مصاف الدول المتقدمة، وهي تتفوق بلا شك على الكثير من الدول الأعضاء الجدد في الاتحاد الاوروبي.

ولنا في المنطقة العربية دروس كثيرة فيما يحصل في تركيا، فخلال عقدين من الزمن حصلت تحولات هائلة رغم حالة التنازع والخلاف الداخلي بين الحكومة والمؤسسة العسكرية، إلا ان الانجازات الكثيرة المتحققة على الصعيد الاقتصادي منحت التغييرات التي أدخلتها الحكومة شرعية انجاز  كبيرة فوتت الفرصة على الفئات ذات المصالح الضيقة، وها هي تركيا تقدم المزيد من الأمثلة على رغبتها بالانفتاح على الدول العربية، إذ ألغت التأشيرة بينها وبين سورية، وهي تسعى لتوقيع اتفاقيات تجارية مع العديد من الدول العربية، وفي الوقت نفسه تلغي مناورات عسكرية مشتركة مع اسرائيل.

النجاحات المتحققة خلال فترة قصيرة في بلد كان يعاني مشاكل شبيهة بمشاكل بلادنا يمنحنا الامل في المنطقة العربية بأن لدينا القدرة على تحقيق مسألتين في وقت واحد؛  تحقيق التنمية الاقتصادية وممارسة  قناعات  سياسية لا ترضي  معظم دول الغرب لكنها لا تستطيع فعل الكثير لإيقافها. 

لا داعي للذهاب بعيدا للحديث عن تجربة آسيا  أو مهاتير محمد في ماليزيا، فها هي تركيا تقدم نموذجا مزج ما بين تحقيق قدر معقول من الديمقراطية وتحقيق تنمية اقتصادية تسير بخطى ثابتة، تحقق ذلك خلال فترة قصيرة نسبيا والمخاوف من فقدان السيطرة وشيوع الفوضى لم تتحقق، بل تبدو تركيا الآن أكثر استقرارا من اي وقت مضى، فما هي الدروس والعبر التي يمكن استقاؤها من هذه التجرية وهل يمكن محاكاة ما يجري في الدولة العضو في الناتو!

ibraheem.saif@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التجربة التركية (يوسف العواد)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    اشكر الكاتب د.ابراهيم سيف على هذا المقال الرائع الذي اثلج صدورنا عن التقدم الاقتصادي و السياسي لتركيا الذي يجمعنا فيها الدين الاسلامي.و ان دل على شي ء فأنه يدل على البراعة في ادارة الواقع المحلي و الدولي من قبل المسؤلين و على رأسهم الرئيس رجب طيب اردوغان. البراعة التي تتجلى في التأقلم و الواقعية و الحركة و النجاح في بيئة محفوفة بالمتناقضات .تراها تقفز براشقة و بخطى ثابته نحو هدف التقدم الاقتصادي و السياسي .كيف جمعت بين الاسلام و العلمانية و حلف الناتو وطلبها في دخول الاتحاد الاوروبي و علاقاتهامع الكيان المحتل الاسرائيلي و انفتاحها على العالم العربي و الاسلامي ظاهرة تحتاج الى تأمل.و هل نضيف الى تجارب العالم بتجربة انسانية جديدة اسمها التجربة التركية.
  • »يحميك ربي يا رجب (رجب التعامره)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    يحميك ربي يا رجب يا طيب اردوجن يحميك ربي يا عبدالله غول يا "غول" في مكافحة الفسادو لكنك حمل وديع إزاء المال العام يحميك ربي يا رجب يا ذا المظهر الهادئ و لكنك ثرت كالأسد في وجه بيريز عندما دعي كحمامة سلام يحميكم ربي يا قادة تركيا الحديثه لأنكم مثال للشرف و النزاهه
  • »تحليل مقنع (زياد الحمدان)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    عاشت ايدك يا أبو باسل، مقال مقنع ومعقول، بس عارف وين المشكلة؟؟؟؟احنا كدول عربية شو ممكن نستفيد من التجربة التركية؟؟؟؟
  • »لا تتشدقوا بالاصلاح (مهند الخزوز)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    تركيا توفرت لها إرادة التقدم أما نحن فقد توفرت لدينا النية و البرامج للعودة الى الوراء ، تركيا تحارب الفساد و نحن نحميه و نشجعه الى درجة أننا عطلنا موازيين القضاء ضد رئيس جامعة أدانته مكافحة الفساد و من الجويده الى مكتب الرئيس ليزاول مهامه في افساد الجيل و شراء الضمائر، نصيحة : لا تتشدقوا بالاصلاح
  • »هل يعقل هذا؟ (نسرين حسين العمري)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    الاصلاح و التقدم و التطوير يحتاج الى ارادة و برنامج و كلاهما غائب في الأردن و لنأخذ الجامعات الرسمية مثالاً:
    هل يعقل أن يصرف رئيس جامعة على الولائم و العزايم و السهرات اكثر مما ينفق على البحث العلمي؟
    هل يعقل أن ينفق رئيس جامعة على سفراته اكثر مما ينفق على الصيانه في جامعته المهترئه؟
    هل يعقل أن يحتجب رئيس الجامعة و لا يقابل أحداً حتى العمداء الذين عينهم و لكنه يصرف ست ساعات متواصله في مكتبه لمراجعة مسرحية مع سيدة تكتب مسرحيات الأطفال ؟
    هل يعقل أن يذهب رئيس جامعة بعيداً في تأسيس فروع للجامعة في الوقت الذي ينعق البوم في بعض مباني الجامعة؟
    هل يعقل أن يطلق رئيس جامعة لسانه في الدوله و رموزها و تاريخها دون أن يحاسب أو ينخلع الى بيته على الأقل؟
  • »محاربة الفساد تؤدي الى التقدم (عبدالعزيز الدرزي)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    يقال إن التقدم الإقتصادي الذي حدث في تركيا كان بسبب تقليص الفساد الى 40%، و بغض النظر عن هذه المقوله الدوله التي تضع يدها على مواطن الفساد و تستأصلها و لديها القدره و الحزم على اتخاذ القرار تتقدم.
    نحن في الجامعات الأردنية ننتظر مجالس الأمناء بفارغ الصبر لتسير بالجامعات الى الأمام لأنها تحولت الى مزارع خاصة في العامين أو الأربعة أعوام الأخيره و تدنى مستوى التعليم في الجامعات الرسمية بشكل كأنه متعمد أمام سمع الدوله و بصرها، و لن تصلح الجامعات ببقاء رؤساء جامعات اسائوا للتعليم العالي و للوحدة الوطنية و للرموز الوطنية و تطاولوا حتى على المقامات العليا و ثورة العرب الكبرى و كانت انجازاتهم لا تعدوا الخطب الرنانه و الكلمات المنمقة التي تدغدغ العواطف أي مؤثرات صوتية فقط لا غير.