موفق ملكاوي

جورج

تم نشره في الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

 

قال لي ذات مرة إن التشدد سمة الضعفاء الذين لا يستطيعون مداراة ضعفهم، وإن الحياة قصيرة، وبالكاد يدرك الإنسان لافتاتها الكبيرة، لذلك يجب أن نضيّعها بالتأسي على أمور ما كانت لتحدث إلا بالصورة التي جاءت عليها.

وقال أيضا إنه يغفر الضعف الإنساني، ويسامح على هفوات يقف الشخص أمامها مطأطئا.

إذن سيغفر بلا شك ضعفي، وسيغفر ارتباكي أمامه، وخجلي الحقيقي الشديد من قامته الإنسانية العملاقة!

سيغفر كسلي عن مهاتفته لأشهر، وعزوفي عن الاستدفاء بصوته وهو يسأل عن زوجتي وأبنائي بالاسم، ثم ينطلق للسؤال عن الصحة وماذا فعلت بها، ولا ينسى أن يمنحني قائمة طويلة من الإرشادات والنصائح حول كيفية التعامل مع السكري والشرايين.

سيغفر، بكل تأكيد، خجلي الشديد عندما اكتشف أن المسافة اتسعت، وأن الشقة ازدادت مساحة بيني وبين آخر المرات التي استطببت فيها بصوته.

كيف فاتني أن صوته يأتي، كما كل المرات، دافئا، ويمسح تعب النفس ووحشة الروح وكآبتها!

أخال حضوره البهي سيغفر كل هذا الارتباك، فمثله لا يتوقف عند هفوات تلميذ تناسى، لقليل وقت، تعاليمه وكرمه، وتناسى بهجته الطافحة بالحياة الحقيقية والإنسانية الصادقة.

أتذكر صوته الدافئ عندما فاجأني على الهاتف ذات صباح تشريني قبل أعوام عديدة، وهو يحاول الوقوف على حقيقة مقالة نشرتها يومها بعنوان "سكري".

كان الحزن باديا بوضوح في حنايا صوته وهو يحاول مداواة حزني على "ضيف لم استشر بإضافته".

يومها طالت عبارات التشجيع، حتى خلتُ أن المكالمة لن تنتهي.

غير أن أمرا آخر تيقنت منه يومها، هو أنني حظيت بقريب من نوع فريد؛ إنساني وصادق وعابر للقلب.

إنه أبو سليم؛ نلوذ به دائما عندما تكون الدروب على أهبة التقاطع في غيرما تماهٍ يناسبنا، فيمنحنا الأمل، ويعطينا جلدا على عبور المتاهة حتى لو لم يكن يملك الجواب المناسب على أسئلة كثيرة كانت تطرح لماما أثناء أحاديثنا الفوضوية إليه.

كنا نذهب إلى مكتبه لنحصل على الهدوء والطمأنينة و"الفستق" وراحة البال في حديث رجل بدا لو أنه زهد في كثير من أمور الحياة، وبات أقرب إلى الحكماء الذين يضيئون دروبنا بالعِبَر.

إنه أبو سليم، الذي لا يفوتك أن تحبه بكل ما أوتيت من عاطفة كلما ازددت به معرفة، وكلما تقربت منه أكثر.

أذكره دائما مثلما عرفته للمرة الأولى؛ مبتسما ومتفكها في الحديث. سينسى آلامه وهمومه الخاصة، وسينخرط معك في همّك، وهو يحاول جاهدا أن يمنحك شمعة تضيء طريقك الذي أعتم عليك بلا سابق إنذار.

إذن، سيغفر ضعفي وارتباكي أمامه وخجلي وكسلي عن مهاتفته لأشهر عديدة، وسيغفر لي قلة تأدبي معه، وعدم محاولتي الاتصال به.

سيعفيني بلا شك من العتب والعتاب، وسيهتف ما أن يسمع صوتي: أهلين حبيبي.. إنت وينك؟!

Mwaffaq.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نعم (حيدر البستنجي)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    هذه الحميمه التي تغلف مقالتك الرائعه هي ما ينقصنا اليوم
  • »صدقت (علاء طوالبة)

    الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    صدقت أيها الصديق الموفق، فهذا أقل ما يمكن أن يوصف به هذا الرجل.