عزلة البحث العلمي

تم نشره في الاثنين 12 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

 كثيراً ما يُنظر لأساتذة الجامعات، وخصوصا من يمضون سنوات طويلة في التدريس، باعتبارهم خبراء في حقول اختصاصهم. ذلك صحيح من الناحية النظرية، بدليل تمكّنهم من تقديم معرفة عميقة لطلبتهم في موضوعات الدرس، وقدرتهم على تقديم معلومات نظرية كثيرة بشأن اختصاصهم لو كتبوا في الصحف، أو تحدثوا عبر التلفزيون.

أما من الناحية العملية، فلنا أن نناقش الأمر قليلاً: هل يبدع أكثر أساتذة جامعاتنا في طرح أفكار وحلول لقضايانا اليومية والمستجدة، لو طلب إليهم ذلك؟.

بعد تجارب أظنها كافية، أستطيع استنتاج أن ثمة ما يمنع أستاذ الجامعة المبدع أكاديمياً، من التواصل مع الحقائق الميدانية الدائرة خارج أسوار الجامعة، بحيث يتمكن من فهمها فهماً عميقاً يساعده على طرح أفكار مفيدة بشأنها، تحوّل النظريات الأكاديمية إلى تطبيقات عملية. إن أكثر الأساتذة في جامعاتنا، وخصوصا المبدعين أكاديمياً منهم، مصابون بما يمكن تسميته "العمى الأكاديمي"، متمثلاً بعدم رؤيتهم لحقائق الواقع، نتيجة استغراقهم في الجانب النظري، وعدم تمكنهم من ثم من استعمال معارفهم النظرية في وضع حلول عملية.

ما الذي يحدث حين يجري اللجوء لأستاذ جامعة مبدع، ولكن مصاب بالعمى الأكاديمي، من أجل صياغة خطط عملية لحل مشكلة ما، أو الوصول إلى تطوير ما؟ إنه بالضرورة سيطرح أفكاراً غير مفيدة، لا تصلح إلا للبحث الأكاديمي المتخصص، أي للمعرفة المجردة لا للعمل الميداني. عندذاك، وتحت وطأة الإحساس بأن الأستاذ الكبير كبيرٌ في مجاله، يمكن أن يقع المحظور، ويجري التسليم بأفكاره باعتبارها "الحل"، ومن الطبيعي بعدها أن لا يتوفر الحل، بل تتعمق المشكلة.

الأساتذة المصابون بالعمى الأكاديمي، ليسوا متهمين، بل ضحايا. إنهم ضحايا الصمت الذي يسود جامعاتنا، وضحايا زهدنا بالأفكار، وتفضيلنا نهج "التجربة والخطأ" لحل مشكلاتنا، خصوصا الاجتماعية والإنسانية. إنهم ضحايا زهدنا بهم، وتركهم سنوات طويلة بين قاعة الدرس وقاعة الامتحان، حتى لم تعد بينهم وبين مستجدات الواقع معرفة أو احتكاك، ثم إنهم ضحايا تلك العُقد التي تدفع المرء للبحث عن "رتبة اجتماعية" يستخلصها من نجاحاته في العلم أو في العمل أو في الثروة، ليبني على أساسها علاقته مع محيطه، مترفعاً عنه وعن قضاياه اليومية، بدل أن يستعمل نجاحاته في خدمة مجتمعه ووطنه وأمته. إننا ندفعهم للعزلة، فهل يجوز لنا أن نلومهم؟.

لا يجوز لنا. لكن علينا سريعاً، قبل أن نطالب بفك عزلة أساتذة الجامعات عن الواقع، أن نلاحظ ما يلي:

1- تلك القدرة الإبداعية الهائلة التي تمتع بها نفر قليل من أساتذة الجامعات المرموقين، منعوا أنفسهم من تلك العزلة، وارتبطوا بالواقع كما يرتبطون بقاعات الدرس، وهو أمر تحقق نتيجة فاعليتهم الكبيرة ومجال تحركهم الواسع خارج الجامعات. لقد ذهبوا هم إلى الميدان من دون أن يطلب إليهم أحد ذلك. لقد ذهبوا، متطوعين، إلى مؤسسات العمل العام، فاختبروا الميدان ولم يتركوه خيالاً يكونون عنه انطباعات وظنوناً، وكان ذلك بالتأكيد مما تطلب منهم جهداً ووقتاً ومالاً. تدور في ذاكرتي الآن أسماء عدد محدود من هؤلاء الأستاذة، وهم معروفون ومشهورون لأنهم حاضرون بيننا دائماً.

2- أن الأمر الواقع، والمصلحة العامة، تمنعنا من اللجوء للأساتذة المصابين بالعمى الأكاديمي في وضع حلول لمشكلاتنا أو ابتكار برامج عمل لقضايانا، خصوصا لأنهم لا يدركون حقيقة ما هم عليه من حال، ويظنون أنهم قادرون على صياغة حلول مفيدة وعملية، من دون تجارب ميدانية سابقة، لمجرد كونهم يحملون رتباً أكاديمية رفيعة. المطلوب أن لا نحرجهم، وكذلك أن لا نجاملهم على حساب المصالح العامة والعليا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الأكاديمي ليس سوبرمان (عبدالله جوابرة)

    الاثنين 12 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    صحيح أن الغرق في النظريات ومع طول الفترة الزمنية (في عمر المجتمع) دون ترجمة فعلية نلحظها في واقعنا يعد خللا علينا مراجعة أسبابه لكن المجتمع لا يقوم فقط على الأكاديمين فلكل واجبه وتأثيره الذي يكمل بعضه حين تتظافر الجهود . بمعنى أنه ليس عملهم أبدا أن يذهبوا ويبحشو الأرض للمزارعين ولا رعاية الأطفال وإرضاعهم ولا أن يحملوا تنكة الاسمنت على أكتافهم .هذا خلط عجيب بالمفاهيم وبالأدوار وأستغرب ذلك حقا .فالأكاديميون بعقولهم يفتحون لنا فضاءات علمية نحولها نحن وفق رؤيتهم السديدة وخبرتهم الطويلة إلى تغييرات إيجابية ميدانية ملموسة مسترشدين بإضاءاتهم الحساسة التي تصوب أخطاءنا العملية تصويبا نظريا ولا عيب ولا تقصير في ذلك بل العيب فيمن يخطئ الفهم ويسيء الترجمة . فالمهندس لا يطلب منه أن يخلط الإسمنت
    وكذا الأستاذ لا يطلب منه أن يكون سوبرمان .
  • »اقتراح (محمد منير)

    الاثنين 12 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    أخي سامر...
    كلامك جميل ولا غبار عليه، ولكني اعتقد انه لم يتجاوز العموميات، لدرجة أنه يصلح لكثير من الدول والازمنة دون تعديل كلمة واحدة منه. وهنا فإنني اقترح عيك-ولأهمية وحساسية الموضوع- أن تقوم في مقالات قادمة بما يلي:
    أولا: دور الاكاديميين في نهضة الامم المتقدمة سواء على المستوى الثقافي أو الاجتماعي وطبعا التكنولوجي.
    ثانيا: يصعب علينا أن نضرب امثلة على أولئك المتقوقعين في مكتباتهم وقاعات درسهم، فلماذا اذا لا نضرب أمثلة من الذين كان لهم اسهامات في واقع زماننا ومكاننا، سواء هذه الاسهامات كانت ثقافية،اجتماعية، سياسية أو تكنولوجية ومما لا شك به أن هذه النوعية موجودة ولها بصمتها وإن كانت نسبتها بسيطة كما تفضلت في مقالك.. وعموما صدقني أن الموضوع يستحق مزيدا من التفصيل وربما البحث...
  • »قيمة العلم و البحث العلمي (سمير أحمد)

    الاثنين 12 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    أستاذ سامر إن الأخطر على الجامعات أن يكون العلم و البحث العلمي فيها ليس قيمة جامعية ، لقد استقر في عقل بعض رؤساء الجامعات أن يجعل من إدارات جامعته العليا و الوسطى بيد أعضاء هيئة التدريس و يجزل لهم المكافئات الشهرية فيتركم الأستاذ مختبره و طلابه ليصبح رئيس دائرة المطاعم أي مفرداته اليومية هي جليى الصحون و الخبز هل هو ناشف ولا مش ناشف أو مديراص لدائرة الموارد البشرية من أجل أن يملء وقته بمتابعة شؤون الإجازات و مقابلة المراسلين و ليقوم بدور الكاتب أو أمين سر الجلسه أمام رئيس لجنة الموظفين الذي لا يفضله في شيْ، و لربما تأتي الأيام القادمة بمدير دكتور أو أستاذ دكتور لدائرة الخدمات أو دائرة الأمن الجامعي و جميعها دوائر استقرت اللمارسة العملية أنه كان يشغلها شخص يحمل درجة البكالوريوس أو أقل، أليس هذا إجخاف بحق العلم و أن العلم لم يعد له قيمة حين تنتزع الإدارة الجامعية أستاذاً من طلبته في تخصص نادر كالحاسوب أو التغذية لتجعل منه ديراً فهي تكرس بذلك ب-بقص\د أو بدون قصد- أن الإداره قيمة أعلى من قيمة العلم نفسه.
  • »:) (هيثم الشيشاني)

    الاثنين 12 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    كلام على (الوجع) . شكرا ً للكاتب على مقالاته الممتازة دوما ً.
    هناك فعلا ً فجوة بين النظري و التطبيقي في مجال البحث و التعليم -الجامعي و غيره من المستويات-.
    أظننا بحاجة لخطوات - و لو بسيطة- تجاه تضضيق الفجوة و ألا نقتل المسألة بحثا ً و تنظيرا ً فقط.
  • »خلل أكاديمي! (حسن)

    الاثنين 12 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    يا حضرة الكاتب!

    المشكلة أن كثيرين من الأكاديميين هم نتاج النظام السائد في البلد! فقبل أن نتحدث عن العمى الأكاديمي، لنتحدث عن عن كيفية وصول الأكاديميين لمناصبهم؟ وهل يطرحون فكراً ينهض بالمجتمع أمام طلبتهم؟ تجادلت بحدة مع أحد الأكاديميين منذ بضعة أيام... كان يدافع بشراسة عن موضوع الواسطات وكيف أن المحسوبية هي من أمنت له منحة دراسية في الخارج... إلخ. وكان محور جدالنا أنه كيف ستقنع طلبتك بالخطر المدمر لظاهرة "المحسوبية" وأنت أصلاً غير مقتنع بذلك؟!!!
    ماذا تتوقع من "أكاديمي" كهذا أن ينتج للمجتمع؟!

    في الدول المتحضرة، الجامعات هي القوالب التي تفرز شخصيات المجتمع المتحضر الذي يحترم القانون والمثقفين.