حماية الأمن الغذائي

تم نشره في السبت 3 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

المحاولة الأخيرة لحكومة الذهبي للتعافي من الوهن الذي أصابها هي تأسيس شركة حكومية لاستيراد المواد الغذائية، ويبدو أن الحكومة اعتادت الذهاب إلى الخيارات الخاطئة، وذلك بسبب غياب "مطبخ" حكومي يفكر ويدرس احتمالات كل قرار، واتخاذ القرار بصورة فردية كمحاولة للهروب من مأزق ما، ليكون هذا الهروب العشوائي من المأزق هو الطريق المباشر المؤدي إلى مأزق أكبر وأقسى.

لا أستطيع أن أفهم الفلسفة الحكومية التي تقوم عليها فكرة تأسيس شركة لاستيراد المواد الغذائية وبيعها عبر نوافذ البيع بالمفرق من خلال المؤسستين العسكرية والمدنية.

ولكن من الغريب ألا ترى الحكومة الآن أن دخولها كطرف منافس للقطاع الخاص في عملية الاستيراد والبيع بالمفرق لا يخل بمبدأ التنافسية ونظرية الأسواق الحرة، فالحكومة حين تدخل هذا المجال يبرز أمامها خياران؛ الأول هو أن تغطي احتياجات شريحة واسعة من المواطنين، وهذا الخيار يدخل الحكومة في دهاليز خروقات اتفاقية التجارة الحرة.

والخيار الثاني أن تقبل بحصة بسيطة من السوق الأردني، وهو ما يعني عدم وصول بضائعها المستوردة عبر نوافذ البيع بالمفرق إلا لفئة محدودة من المواطنين، وبذلك تتنافى النتيجة مع الغاية التي من أجلها دخلت الحكومة في مجال الاستيراد والبيع بالمفرق، ويصبح ما تقوم به مجرد ذر الرماد في العيون، وبرهاناً إضافياً على عدم امتلاك الحكومة خيارات واسعة لضبط حالة الانفلات في الأسواق.

ولأني أدرك أن الحكومة لا تملك نوايا مبيتة لخرق اتفاقية منظمة التجارة الدولية، فإني أخشى أن الحكومة تسير في طريق الخيار الثاني، وهو ما يعني أن الحكومة ستحاول إخلاء مسؤوليتها من خلال قولها إنها حاولت بأقصى الطرق الممكنة، والمتمثلة بالاستيراد والبيع المباشر للمواطنين، من دون أن تستطيع التأثير بالأسواق وتخفيض الأسعار عبر المنافسة، وأنها بلجوئها للخيار الأقصى وظهور عدم نجاعته وقدرته بإنتاج حل، فإنها بالتأكيد لو اختارت اللجوء إلى حلول أخرى أقل قسوة فإنها لن تنتج آثاراً على أسعار المواد الغذائية، وعلينا انتظار آلية السوق كي تضبط أسعار المواد الغذائية.

وإذا كانت الفلسفة التي تقوم عليها الشركة الحكومية للاستيراد خفية، فإن آلية الاستيراد ذاتها ما تزال لغزاً يجب حله، هل ستكون الشركة خاضعة لرقابة ديوان المحاسبة، ما يوجب عليها استدراج العروض وخضوعها للمبادئ الحاكمة للمناقصات الحكومية، هذه الآلية التي تستغرق وقتاً لا يتناسب وسرعة تغير الأسعار العالمية للسلع الغذائية الاستراتيجية كالسكر والرز والزيت والحوم الحمراء وغيرها من السلع الغذائية، أم أنها ستمارس نشاطها على أسس تجارية بعيداً عن البيروقراطية الحكومية، وفي هذه الحالة لرقابة من ستخضع هذه الشركة ومن سيحاسبها إذا ما قامت بصفقات خاطئة وخاسرة.

الأسئلة الكثيرة حول غايات الشركة الوطنية للأمن الغذائي والتموين وآليات تنفيذها تشير بوضوح أن هذا الخيار الذي اتخذ كطريق هروب من قبل الحكومة من نار أسعار المواد الغذائية الذي مس بالفعل الأمن الغذائي للمواطن هو طريق غير صحيح ولن يكون هناك ضوء في نهاية الطريق، وهو ليس الباب الصحيح لعودة الحكومة لممارسة دورها في توفير الأمن الغذائي للمواطن، فدوره الحقيقي هو ضبط وتنظيم الأسواق عبر وزارة أو هيئة مختصة، وأي خيار آخر يبدو أنه إهدار جهد وخطوة عمياء في الهواء.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ماهكذا تورد الإبل !! (فرزدق الفهد)

    السبت 3 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    التدخل الحكومي المباشر ليس حلا ناجعا لأنه سيشوه آلية السوق مما سيؤثر سلبا على الإقتصاد الأردني مستقبلا..الحل الصحيح برأيي :-
    1‏_توسيع قاعدة المستوردين المحليين للغذاء ورفع كافة الحواجز التي تقف في طريق المنافسة الحرة .
    2‏_تقليل عدد الوسطاء مابين المستورد والمستهلك .
    3‏_تشجيع الإنتاج المحلي الغذائي خصوصا من خلال سلة إعفاءات .
    4‏_إعداد برامج خاصة لدعم الفئات الإجتماعية الأكثر تضررا .