موفق ملكاوي

أيام قديمة

تم نشره في الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

 

بعصاه المدببة، يفتتح الأستاذ الدرس منذرا بسخطه "الأممي" علينا، وعلى من زجوا بنا في طريقه؛ يردد بصوت عال أن الاستعمار نهب ثروات العرب وأدخل إليهم الكثير من العادات التي لم تكن شائعة عندهم من قبل، مثل شرب الخمر والإلحاد.

لكنه ما يلبث أن يقرر بأنه هو نفسه لا يصدق ذلك، "فالعرب أصحاب مزاج منذ أن وجدوا... العرب (سوكرجية) من دار أهاليهم"!!

ومن دون مقدمات، يعود ليقرر أن العرب أمة واحدة ذات رسالة خالدة إلى يوم الدين، غير أنه يعود مرة أخرى إلى مزاجه السيئ، ويبدأ بالتشكيك بهذه الجزئية أيضا، حين يبدأ باستعراض غزوات العرب وحروبهم البينية..

وكان هو يكره "الحصة" الأخيرة، ويكره التاريخ وأستاذ التاريخ، بصراحة، كان يكره المدرسة برمتها، وينتظر اليوم الذي يفارقها فيه إلى غير رجعة، من أجل أن ينطلق في حياته بعيدا عن صداعات الكتب والكراريس.

***

انتفض في مكانه كالذبيح على صدمة كبيرة داهمت جسده، وتمر لحظات قبل أن يكتشف أن "الحنونة"، وهو الاسم الذي يطلقه الأستاذ على عصاه، داعبت كتفيه بشراهة، وليجد كذلك أن الأستاذ ينظر إليه من الأعلى وقد ارتسمت على محيّاه علامات الانتصار البهيجة:

- سألتك، مين همو الاستعمار يا "لاطة"؟

 - إسرائيل، إسرائيل يا أستاذ..

***

 في كل صباح، كانت الإذاعة المدرسية تتفجر غيظا وهي تعدد المزايا الوحشية الإسرائيلية، وتلعن مواطني دولة الاحتلال فردا فردا، لذا ظن بأنه سوف يكافأ بالتصفيق الحاد على إجابته.. غير أن ما حدث كان عكس ذلك تماما، إذ سرعان ما كانت "الحنونة" تلتهم جسده بأكمله، والأستاذ يصرخ بطريقة هستيرية:

 - يا (..)، في فرق بين استعمار وبين احتلال يا "لاطة"..

كان أستاذ التاريخ يعبر بشفافية عالية عن حالته النفسية، وكان يمكن للموقف أن يتطور أكثر من ذلك بكثير، إلا أن جرس إعلان انتهاء الدوام، وضع حدّا لمعاناته.. ربما لم يمنعها تماما، فكل ما في الأمر أن الجرس أجل المعاناة إلى يوم آخر، فما كان منه إلا أن قفز خارج غرفة الصف، وهو يحمل ما يشبه الكتب بين يديه.

mwaffaq.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »:) (هيثم الشيشاني)

    الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    قطعة ذاكراتية جميلة فعلا ً
  • »مسميات تختزل بداخلها معنى واحد منفرد (حمزة مازن تفاحة)

    الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    أيها الموفق : اعتقد انه قد تختلف المسميات والدلالات ، ولكنها تبقى غائرة في حنايا القلب وتتعربش في خلايا الذاكرة فالمحتل هو المحتل ، والمستعمر هو المستعمر ، ..حتى الحنونة نفسها في كثير من الاحيان تكون ادهى من المستعمر ، ولكنها تبقى محافظة على اسمها حنونه!
    احيانا كثيرة لا نعلم ما نريد ، واحيانا اخرى نعلم ما نريد ولكننا نتحاذق ، لنخرج بشكل مغاير تماما عن الحذاقة ونبدأ نحاذقباسلوب خادش للحياء العام، او للحيادالعام كما قالها سابق"امحمد طمليه"..
  • »ايام عتيقه (رنا عمرو)

    الخميس 1 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    لكل منا ايام قديمه..لكن عنما نعود بلذاكره لأيام المدرسه بلتحديد نشعر بحنين جارف لو نعود تلاميذونرتشف حلاوة تلك الأيام المعتقه في قدمها..حتى لو مر بلذاكره طعم الفلقه والعصا فلن توقف نزف رحيق تلك الايام الغائبه وشقاوتها ابدا...اذن استاذ موفق كانت الحنونه هي العقاب بعهدكم؟؟؟
    بلنسبة لي لم اختبر بطفولتي طعم الحنونه على جلدي...فقد كان العقاب واسقاطات الوهن عند معلمينا في عهدي مختلفه تماما..
    كان من يخطئ بلمدرسه يعاقب بحبسه بغرفة الفئران والحقيقه لم يكن فيها فئران بل كانت غرفة مظلمه ومجرد مستودع للكتب..ربما لهذا السبب ان كل التلاميذ عندما يكبرون يكرهون الكتب...اما انا فقد اكتشفت بغرفة الفئران هذه لذة القراءه واكتشفت فيها عالم الكتب والقراءه..المشكله عندما اكتشفت المعلمه انني صرت ارتكب الحماقات لأجل ان احظى بشرف العقاب بحبسي مع الفئران المزعومه هذه..عاقبتني ليوم كامل بلوقوف الى جانب سلة المهملات وانا ارفع قدمي اليمين ويدي الشمال ...وبقيت افقد توازني امام سخرية باقي التلاميذ ونظرة المنتصر بعيون معلمتي الفاضله...ومنذذلك الوقت حتى اللحظه اصبحت غرفة الفئران مكاني المفضل اينما ذهبت اشتاق لرائحة تلك الايام المعتقه التي تعبق منها رائحة الكتب الصفراء ورائحة طفوله لم تزل تسكنني بلحنين...شكرا استاذ موفق