محمد برهومة

لماذا لا يكتبون؟

تم نشره في الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009. 02:00 صباحاً

 

نُدرة قليلة من السياسيين والنخبة الأكاديمية والتكنوقراط في بلدنا من يهتمون بالتواصل مع الناس والمجتمع عبر الكتابة. هذا الكلام يقصد بدرجة أكبر من تركوا موقعهم الوظيفي العام وأحيلوا على التقاعد.

فرؤساء الوزارات السابقون والوزراء والأمناء العامون والسفراء ورؤساء الجامعات وغيرهم من النخب السياسية والعلمية التي اكتسبت عبر المواقع العامة التي شغلتها خبرة وتراكمات ولّدت لديها، كما هو مفترض، خبرة شخصية وعامة من حق الناس، أنْ يطلعوا عليها، ضمن الأصول المرعية، بما يثير النقاش والجدل والحوار حول قضايانا وهمومنا بالشكل الذي يثري تجاربنا ويرفع من سوية النقاشات العامة ويرسخ انسيابية المعلومات ويوطد الشفافية، ويبني تقاليد للحوارات الوطنية يبعدها عن المناكفات والسجالات التي لا تصل إلى نتيجة، ولا تحسّن سلة البدائل والخيارات أمام الناس وأصحاب القرار.

ندرة من السياسيين والتكنوقراط الأردنيين الذين يشاركون بآرائهم في الصحافة المحلية (أو العربية والدولية)، ولا أدري هل السبب وراء ذلك تعفف أو استعلاء أو افتقاد للمعنى أو إحباط أو افتقار للرؤية وروح التنظير أو ركون لاعتبارات متوجسة وحسابات سياسية خاصة، أو تفضيل واستسهال للمناقشات والمشاركات الشفوية التي تجري في الصالونات والمجالس على المناقشات والمشاركات المكتوبة... كلها أسئلة برسم الإجابة والنقاش.

وأتساءل أيضا: لماذا لا يكون لدى سياسيينا ورؤساء جامعاتنا وأهل الخبرة والتجربة ممن خدموا هذا البلد مدوناتهم على الإنترنت، التي من خلالها يتواصلون مع الناس ويسهمون في الحوار حول القضايا المحلية وغيرها.

في كثير من الدول المتقدمة، كما هو معروف، ينضم السياسيون والخبراء الحكوميون بعد مغادرتهم للموقع الوظيفي العام إلى مراكز الأبحاث والدراسات والمؤسسات الإعلامية ليقدّموا تجربتهم واستشاراتهم ويتابعوا انخراطهم في الحياة العامة. والبعض يصدرون مذكراتهم الشخصية أو كتبا تنطوي في كثير من الأحيان على تفاصيل وأسرار تفتح نقاشات وحوارات ساخنة في تلك البلدان وأحيانا خارجها.

بالطبع فإن مثل ذلك مرتبط برسوخ المؤسسية وشيوع الحريات، وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير، لكنّ ذلك لا يحول من دون أن نسعى ونجتهد بعزم لأنْ تكون مثل هذه التقاليد ظاهرة في العمل العام في مجتمعاتنا. وأعتقد أنّ كل من تسلّم منصبا عاما في بلدنا، معنيّ بالخروج عن صمته وعزلته الكتابية أو ابتعاده عن الأضواء لسبب أو لآخر.

ومن شأن انتشار ظاهرة مدونات السياسيين والتكنوقراط والمسؤولين أنْ تولّد حراكا نوعيا، سيترك تأثيراته في بلورة السياسات والأولويات والبرامج الوطنية، وسينحي الشائعات والقيل والقال جانبا.

لقد شهدت العقود الماضية من تاريخ بلدنا شخصيات عامة ونظيفة ومهمة ومؤثرة، ويستحق الناس أنْ تتواصل هذه الشخصيات الكريمة معهم بعلمية وشفافية ومسؤولية وطنية عبر تقييد تجاربها وآرائها كتابيا.

آن لنا أنْ ننتقل إلى مرحلة التدوين عبر المقالات والكتب والمدونات الإلكترونية وغيرها من الوسائل. وليس هناك مجتمع تقدّم من دون أن تقوده نخبة وطنية مثقفة وواعية، تقدّم المصلحة العامة على مصالحها الشخصية، وتضحي بوقتها وراحتها من أجل نهضة بلدها وتقدّم مجتمعها، والدفاع عن مصالح الناس وحرياتهم ومكتسباتهم.

ثمة نقص في النقاشات العامة والتعرف على التحولات في مسيرة الدولة الأردنية وتحولات المجتمع الأردني، ومن حق الناس أن يبادر كل من تسلّم موقعا عاما في أن يدلي بتجربته وآرائه حول ذلك، وبشكل مكتوب يوثّق التجربة ويعطي فرصة للمراجعة والتقويم والجدل المثمر، ويكون رافدا للدراسات ومصدرا للمعلومات والرؤى، وهذا ما فعله بعضهم لكنه يبقى قليلا.

مثل هذه الخطوة سترسخ علاقة ديمقراطية بين المواطن والمسؤول تقوم على الاحترام والحوار، كما من شأنها تفكيك الصورة النمطية عن الموقع العام (وهي صورة قاصرة ولا يجوز تعميمها على الجميع) بوصفه فرصة للانتفاع الشخصي والزبونية والوجاهة، والإقامة في أبراج عاجية بعيدة عن هموم الناس، ما يجعل هؤلاء الناس يرددون ويتساءلون باستمرار: هؤلاء المسؤولون.. لماذا لا يشبهوننا؟!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكر (محمد)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    اشكرك على مقالتك
  • »صدقت ياخالد (زهير السقا)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    وان اختلفت معك في التعميم، فليس الكل كما تفضلت، وان كنت في صف أن لا يكتب معظم هؤلاء، فبسبب أن بعض من كتب منهم فعلا كتب نقدا بلا حلا، وبعض من انتقد كشف آنه في وادٍ والناس في واد آخر.
  • »عن ماذا يكتبون!؟ (خالد السلايمة)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    أسعد الله أوقاتك اخي محمد,

    حقيقة لن يكتبوا شيء لأنهم وصلوا إلى هذه المناصب بسبب إسم العائلة و العشيرة و ليس بسبب كفاءة أو إنجاز. في الأردن للأسف ينظر البعض إلى المنصب السياسي على أنه تشريف و ليس تكليف لخدمة الناس و الوطن. و بالتالي هو في الكثير من الأحيان غير مؤهل و غير منتج و أحيانآ دوره سلبي و عكسي للبلد! فعن ماذا يكتب يا محمد؟! عن الخيبة اللي إحنا فيها!؟ و الله أحسن إنهم ما يكتبوا و خليهم ساكتين!
  • »مومياءات (Abbood)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    لم يجرؤوا على التغيير والخروج من قوالب حشروا فيها، فكيف سيجرؤون على الكتابة؟؟؟؟
  • »!! (w)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    لماذا !!! لان لا هموم لديهم،، لا من قدام ولا من ورا ...لو شعروا في اي معاناة او هم كانوا عبروا بس مغيبين عن الواقع وعايشين في الهنا