موفق ملكاوي

جرائم أولى

تم نشره في الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

قال أخي إنه أخطأ كثيرا عندما أطلق عليه اسم "صهيون"، لأنه بالفعل بدأ يحبه.

ولكن الاسم انطبق على "القنفذ" الصغير، حتى أصبح يميزه، ويأتي إلى كل من يناديه به.

وهكذا، فقد صار "صهيون" شغلنا الدائم، نطعمه ونسقيه ونلاعبه، وفي الليل ينام في فراش أحمد في غرفته البعيدة.

يقول "أحمد" إن صهيون قادر على كل شيء، فهو يجعل البيت خاليا من الأفاعي والعقارب... لأنه قادر على قتلها..

ولكن علاقتي مع صهيون بدأت تتخذ طابع الحدة والتصعيد، نحو مواجهة محتملة في أي لحظة، إذ أنه كثيرا ما يقصدني دون غيرى ليشد بنطالي، أو يبول على طرفه، مما يجعلني أحتد وأقذفه بكل ما تطاله يدي، الأمر الذي يجبره على الاختباء ليحتمي من غضبي.

وذات ظهيرة جاء "صهيون" إلي...

كنت منبطحا على ظهري في ظلال الليمونة الكبيرة، والعرق المالح يغطي جسدي، من شدة الإجهاد والتعب في اللعب.

 بدأ بالدوران حولي، يتشمم ملابسي.

بعد قليل توقف قريبا من رأسي. دفعته بيدي ليبتعد، ولكنه لم يبتعد أكثر من خطوتين أو ثلاث، وجلس هناك يراقبني.

كنت مجهدا من شدة التعب، وظلال الليمونة ترخي على جسدي رطوبة منعشة... فاستسلمت أجفاني للنوم سريعا.

أفقت على ماء حار يسحّ فوق عنقي وصدري، فانفتحت عيناي بسرعة، لأتفاجأ بأن "صهيون" يجلس على صدري بالقرب من العنق... ويبول.

لم أدرك ما الذي فعلته بالضبط حينها، ولكنني رأيت "صهيون" وهو ملقى أمامي، والدماء تتدفق من قطع عرضي كبير في جسمه الشائك.. ولأجد يدي ممسكة بـ (قدوم) أبي.

ارتعش الجسد أمامي للحظات، ثم أسلم للسكون الأبدي.

رأيت أخي يهجم عليّ، ويضربني كثيرا وهو يبكي.

كنت مستسلما له تماما، وكأنني أطالبه بالمزيد من الضرب والركل جزاء على فعلتي النكراء.

ولكنه توقف عن ذلك، وانحني فوق الجسد الصغير، وراح يبكيه بحرارة.

ظل على حاله ساعات طويلة. وعند المساء، حفر له حفرة في أسف (حلان البطاطا)، ودفن الجسد فيها، وعندما مر بي لم يكلمني ولم يلتفت إلي، وكأنه لم يرني إطلاقا.

كانت تلك أولى جرائمي، والتي كان عليّ أن أعيش معها طويلا.

كثيرا ما كنت أذهب ناحية القبر الصغير، لا أجرؤ على الاقتراب كثيرا، خوفا من جريمتي، واحتمالات الثأر والانتقام.

وعلى مسافة غير قريبة من القبر، أجلس فوق التراب، وأبدأ بطلب الصفح والمسامحة من (صهيون).

وأقول له أنني لم أقصد ذلك.

كوابيس كثيرة مرت، أشاهد فيها جريمتي البشعة.

والجسد المرتعش للحظات، ثم السكون الأبدي... وأشكال عديدة من الثأر... والانتقام.

كانت تلك في زمن بعيد، عاشت معي زمنا آخر، ولكن الجريمة تلك تلاشت صورها من الذاكرة، بعد أن اعتدت الجرائم؛ الصغيرة والكبيرة.

mwaffaq.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابدعت (الدكتور زكريا الملكاوي)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    ان "أقصوصتكم بالمعنى الأدبي كانت في غاية الروعة سيدي العزيز ، وكانت الحبكة وهي أهم ما في القصة ، على شكل "الحبكة المحكمة" ، وجاءت "لحظة التنوير" بما هو سلس ومفهوم ، حيث الحل والانحدار السلس للنهاية (وعلى مسافة قريبة من القبر .....).
    أضف إلى إبداعك سيدي في دقة الوصف " الصور النصية" التي حولتها بقلمك البارع إلى "صورة فنية"(كنت منبطحا على ظهري ....) رائعة .
    لقد غلب الترميز المتقن والجميل على أقصوصتكم ، فكانت ذات معان "مرمَّزة" مما أضفى عليها جمالها .
    سلمت يداك .
    والشكر لك دائم
  • »الانسانية (يوسف العواد)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    الانسانية هي المحبة الشفافة"انها الماء النقي الصافي.اي شيء يكدره مهما كان ضئيلا.الانسانية هي المحبة التي لا تعرف الحدود و لا اللون و لا الجنس و لا اي معتقد او اسم او مخلوق.الانسانية اسم جامع للمحبة لجميع المخلوقات التي خلقها الله.الانسانية كالصوفيةعبقريةالتدين .احذر ان تخدشهابأي عمل غير انساني ولو كان مستصغرا من قبلك.تذكر ان ذرة من الغبارتعيق الرؤيا في البصر وان ذرة من عمل غير انساني تكدر البصيرة وشيئا فشيئاتعتاد النفس على فعل الكبيرة.
  • »لقطات واضحة (ربى احمد)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    ايها الموفق - مرت الأحداث أمام عينيها , وهي تقرأ ما كتبت, لقطات واضحه ... تنتهى اللقطات وتبدأ اللقطات بسرعة وعينيها محدقة فى اللاشئ بملامح جامدة لا يوجد بها أى تعبيرات لحزن أو لبكاء او لفرح .. أو لأى شئ
    وسرت رعشة في جسدها وراحت تسأل نفسها عن الشيء الغريب الذي أصابها لكنها لم تجد أي جواب ينقذها من وحش الحيرة الذي افترسها بلا رحمة
    لا تعرف هل تبكي ؟ ام تكنفي بالايام القليله والجمبله التي عاشتها معه ؟ أسئلة تجهد قلبها على دقائق كانت تملأ مساحات الفراغ الشاسعة فى وجدانها الشفاف.
    سبحت في ذكرياتها حتى وصلت إلى شاطئ وجدانها غسلت أحلامها الحزينة ،وأخذت تهدهد قلبها المنهك , ليل طويل بارد، وعذابات طويلة تجلد ذاتها ووجودها، ونهار لا يريد أن يأتي أبداً.
    لقد أحبته ليس لان قلبها دافئ كما قال لها يوما, ولكن لأن قلبها نزف كثيراً في سنوات عذاباتها المتوالية... طمع فيها الكثيرون، ظنوا أنها فريسة سهلة للمتعة ، لكنها كانت حائطاً منيعاً لكل محاولات من حولها .. إلاّ هو .. إلاّ هو سمحت له ان ياخذ قلبها ويحضر كرتونة مهملة ثم أخذ بقلم يكاد ينقضي حبره اخذ يرسم مقبرتها الفخمة وبمقص يعلوه الكثير من الصدأ صمم بناءه الكرتوني...ورصعه بالماس والاحجار الكريمة..و بعد أن انتهى من إعداد المقبرة تناول قلبها برفق وأودعه داخلها وانطلق...
  • »أنت قاتل قنفدا اليوم وغدا ستقدر على قتل انسانا (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    في عرف الانسانية وقوانين الدول النامية فانت قاتل مع سبق الاصرار والترصد لآنك حاولت أن ترمي به بكل ما عندك من قوة على حسب قولك في مناسبة أخرى ... لقد أوصانا الله ان نحمي المخلوقات وأن نعطف عليهم ومنح الله سبحانة وتعالى ميزات لكل من يعتني بمخلوقاته ..فأنت ليس قاتلا فحسب بل خالفت تعاليم الله العلي القدير
    واما هؤلاء النتفلسفزن الذين سيقولون أن قتل الانسان في الوقت الحاضر أهون من قتل قطة..فالى هؤلاء اقول ان من بقتل قنفدا يقدر ان يقتل انسانا
  • »... (suha)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    كيف تعتاد روح الانسان القتل؟؟؟
    لم استطع يوما فهم كيف يصبح القتل فعل اعتياد
    ...
    مقالة جميلة مليئة بالمعاني
    تحية لقلمك