جميل النمري

فلسفة ما بعد الخصخصة: شراكة جديدة بين القطاعين

تم نشره في الأربعاء 2 أيلول / سبتمبر 2009. 02:00 صباحاً

 

العبارة ليست جديدة ويمكن العثور عليها دائما في الخطاب الاقتصادي، لكن في أدبيات الهيئة التنفيذية للتخاصية، فإن استراتيجية الشراكة بين القطاعين العام والخاص (ppp)، تعني خطّة وبرنامجا محددا يشمل المشاريع الكبرى، وحتّى الصغرى، المقبلة، وعلى الأقل في مجال البنية التحتية.

ما المقصود بالضبط؟ للتوضيح. سنأخذ مثالاً: الحكومة تريد بناء مرفق عام ولنقل مبنى لإحدى المؤسسات أو مدرسة أو مستشفى. بالطريقة التقليدية، تطرح عطاء وتتسلم البناء بعد إنجازه ودفع ثمنه، وتتولى هي إدارته وصيانته وضمان أدائه للخدمة. وهذا يخضع لنظام اللوازم والصيانة البيروقراطي البطيء والفاشل، لذلك تتدهور حال هذه المرافق دائما، وأقرب مثال هو مستشفى حمزة الحديث الذي نعلم كيف انتهى به الحال مبكرا.

الفكرة البديلة هي أن تشتري الحكومة الخدمة، وفق مواصفات محددة من إقامة البناء نفسه، إلى التكفل بأدائه الخدمة مقابل ثمن، وعلى مدار فترة تمتد إلى ثلاثين عام مثلا قابلة للتجديد. في هذه الحالة فإنّ الجهة المتفق معها هي المعنية بضمان بناء جيد وبمواصفات ممتازة، لأنها هي التي ستخسر من أي عيوب وتدهور في البناء، وهي التي تتحمّل مسؤولية الصيانة وإدامة الخدمة الجيدة.

هذه الصيغة تعفي الحكومة من توفير رأسمال الضروري على مدار سنين. وبالنظر إلى المشاريع المتوقعة من الأبنية الحكومية المطلوبة لعقد أو عقدين قادمين من مدارس ومستشفيات ومرافق بنية تحتية مثل السكك الحديدية حيث يخطط لشبكة لا تقلّ كلفتها عن ثلاثة بلايين من الدنانير، فإنّ الشراكة المتوقعة تفتح للسوق فرص توسع هائلة.

الصيغة تبدو هي نفسها التي استخدمت في بعض المشاريع مثل الديسي أي "بناء تشغيل نقل ملكية" (BOT) حيث يتولى القطاع الخاص البناء ثم إدارة المشروع وبيع الخدمة للحكومة بسعر يضمن استعادة الكلفة إلى جانب الكلفة التشغيلية والأرباح خلال فترة العقد، وهي بضع عشرات من السنين، قبل إعادة ملكية المرفق للدولة. في التفاصيل قد تختلف الصيغة قليلاً، فقد لا تهتم الدولة باستعادة المرفق، وهذا قد يعني تخفيض بدل شراء الخدمة، ويمكن للدولة أن تساهم بنسبة معينة من رأس المال.

الفكرة وجدت معارضة من بعض المعلِّقين الاقتصاديين، الذين رأوا أن القطاع الخاص يُظهر فشلا في المغامرة بالاستثمار ويريد المغانم دون المغارم، أي تكفل الحكومة شراء الخدمة بدل أن تكون معروضة في سوق المنافسة، وربما يكون هناك بعض الوجاهة في وجهة النظر تلك، لكن التقييم الصحيح يكون بفحص الأرقام وموازنة الكلف والمصلحة.

وقبل يومين، بمناسبة توزيع التقرير الخاص بنتائج برنامج الخصخصة وآثاره المتحققة عبر إحصائيات شاملة لكل القطاعات، استمعنا إلى عرض سريع لاستراتيجية الشراكة من فريق الهيئة ورئيسها المهندس عبدالرحمن الخطيب مع وعد بمزيد من اللقاءات والنقاشات وإشراك الرأي العام في الموضوع.

التفكير السلبي يرى بالاستراتيجية فقط صيغة لتنفيع رأسمال الخاص باستثمار المال على المضمون، لكنّ هناك أيضا دروسا من الأزمة الاقتصادية العالمية التي تطرح إعادة الاعتبار لمسؤولية ودور القطاع العام في النشاط الاقتصادي من جهة، ودوره المحفز من جهة أخرى لاستعادة النهوض وتجاوز الركود الذي غرقنا به نحن مع بقية العالم.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كارثة (الفهد)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    لو حدث ذلك ستكون كارثة كبرى وتكلفنا الكثير الكثير
  • »شراكة للمباني؟؟ (زهير السقا)

    الأربعاء 2 أيلول / سبتمبر 2009.
    مبدأ الشراكة بمقاييس الأداء الحكومي يعتريها تخوف كبير من تأثر الشريك، الأفضل وجود جهات استشارية محايدة للإشراف على التنفيذ، والموضوع لا يختص بالأبنية فقط.
  • »معلومات اقتصادية (يوسف العواد)

    الأربعاء 2 أيلول / سبتمبر 2009.
    الكاتب ثقافته عالية.نشكر له التوضيح حول "بناء تشغيل نقل ملكية"(BOT).انا لست مختصا بالاقتصاد ولا املك القدرة المادية و المعنوية لخوض هذا المحيط ولكنهافكرة رائعة احتفظ بها كثقافة وليس كناقد اقتصادي.و شكرا على هذه المعلومات مرة اخرى.
  • »يد واحدة لا تصفق (رامي أبوعلي)

    الأربعاء 2 أيلول / سبتمبر 2009.
    أشكر الكاتب جميل النمري على مقاله "فلسفة ما بعد الخصخصة: شراكة جديدية بين القطاعين"، والشكر هنا له سبب حيث أن جميل النمري في مقالات سابقة شن حملة على المنظرين لصالح هذا النمط من تنفيذ المشاريع الكبرى في سلسلة إنتقاداته لليبراليين، لكن جميل الذي يعمل العقل لا النقل عاد ليعترف بإيجابيات هذا النمط.
    للأمانة فإن ظاهرة الشراكة ما بين القطاعين تم دعمها بغية تعميمها كظاهرة تعالج الإختلالات التي صاحبت برامج التصحيح الإقتصادي في الدول ذات المديونية السرطانية من قبل منظمة التجارة العالمية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أما الهدف منها هو تحسين الإنتاجية ضمن قدرة القطاع الخاص على إدارة وتشغيل المشاريع المختلفة التي لا يستطيع القطاع العام أن يقوم بإدارتها وتشغيلها بذات الكفاءة، وعليه يحتفظ القطاع العام لنفسه بالدور الذي يجب أن يكون بالأصل منوطاً بالدولة وهو دور الناظم والمراقب والمحكم.
    ولو أخذنا المملكة المتحدة على سبيل المثال لا الحصر، فإن هذا المفهوم نفذ إلى الأجندة الحكومية ضمن حكومة المحافظين بقيادة جون ميجر في العام 1992، وقد شكلت هذه الظاهرة في حينه عنواناً لجدل دام حتى العام 1997، وذلك عندما إستطاع حزب العمال تشكيل الحكومة الجديدة لبريطانيا وقد تبنى ذات الحزب هذا المفهوم، بل وأعطاه دفعة كبيرة بحيث شمل كافة القطاعات الإقتصادية والتي كانت الدولة البريطانية تقوم بالملكية، الإدارة والتشغيل.
    وبرغم الضغط المتواصل من قبل النقابات العمالية لإسقاط هذه السياسة من أجندة حكومة توني بلير، إلا أن الحكومة ذاتها تجاوزت تصويت كان يهدف إلى إسقاط هذه السياسة في العام 2002، وقد أظهرت دراسة نشرتها وزارة الخزانة البريطانية بأن المشاريع التي نفذت بالشراكة ما بين القطاعين قد تم تنفيذها بالوقت المحدد وبكلفة أقل مما لو قامت الحكومة المركزية بتنفيذها.
    منذ العام 1992 نفذت الحكومات المتعاقبة في المملكة المتحدة 628 متنوعاً ضمن ذات الصيغة وفي مختلف القطاعات (التنظيم الإقتصادي، التعليم وشؤون المجتمعات المحلية، البلديات، البيئة والشؤون القروية، النقل، التأمينات الإجتماعية، الصحة، الضرائب والجمارك، الأمن العام، الدفاع، العدل، وعلى صعيد جغرافي في كل من إيرلندا الشمالية، أسكتلندا وويلز)، وقد بلغ إجمالي هذه المشاريع التي نفذت عبر مبدأ الشراكة ما بين القطاعين 27.296 بليون جنيه إسترليني.
    أما في الأردن، فإن الدعوة مفتوحة للجميع لرؤية نوعية الخدمات التي يحصل عليها المواطن في مجالي الصحة والتعليم، والترهل الإداري والبطالة المقنعة فهي قد أصبحت بنود دائمة ضمن باب العوائق التنموية على طاولة الحكومات الأردنية المتعاقبة، وهنا يبرز سؤال محوري في جدوى أن تقوم يد واحدة بالتصفيق (يد القطاع العام)!!
  • »ننتظر القرار النهائي (خالد جبر)

    الأربعاء 2 أيلول / سبتمبر 2009.
    لم يفرح أكثر من مئة وتسع وتسعين من الموظفين ( المؤقتين ) في وزارة الزراعة بعد أن تمت تعييننا كعمال مياومة وتوقيع كتبنا من قبل وزير الزراعة سعيد المصري.
    حيث أصبحت مصائرنا مرهونة في القرار النهائي لرئاسة الوزراء في تثبيتنا أو فصلنا من أعمالنا بعد أن أصبحنا موظفين في مختلف مديريات وزارة الزراعة.
    ننتظر على أحر من الجمر القرار النهائي.
  • »لن تحدث هذه الشراكة في الأردن! (خالد السلايمة)

    الأربعاء 2 أيلول / سبتمبر 2009.
    أسعد الله صباحك أخي جميل,

    حقيقة هذا الموضوع الإقتصادي و حسب نظرتي غير الإقتصادية أعتقد أنه لن يحدث في الأردن أبدآ. و إذا حدث فإنه سيحدث على نطاق ضيق. أحس (و قد أكون مخطيء) أن المسؤولين الحكوميين يشعرون بالضيق إذا شعروا أن القطاع الخاص قد يستفيد من مشاريع ضخمة قد تطرحها الحكومة. يبدوا لي أن هناك حالة جفاء بين القطاعين على الرغم من كل الشعارات الرنانة التي نسمعها.
    أعتقد أن أغلبية المسؤولين يريدون وصاية الحكومة على المشاريع الإستراتيجية حتى و إن خسرت بسبب سوء الإدارة و يفضلون ذلك على أن تتولى المسؤولية إحدى شركات القطاع الخاص و يصبح الربح لإحدى هذه الشركات!!.