محمد برهومة

نحتاج جرأةَ تأويلِ ابنِ الخطاب

تم نشره في الجمعة 28 آب / أغسطس 2009. 02:00 صباحاً

 إنّ الصراع بين القراءة المنفتحة للدين وبين القراءة المتشددة والحرفية كان صراعا قائما طيلة فترات تاريخنا حتى اليوم.

لعل أجمل فترات تاريخنا وأكثرها ازدهارا ما اجتمع فيها العدل السياسي مع القراءة المنفتحة للدين معطوفا عليهما تجنب العنف السلطوي أو الأهلي في إدارة الخلافات السياسية والفكرية. فالإنجازات الحضارية والإبداعات التي قدمتها الحضارة الإسلامية للعالم كانت تستند إلى قراءة منفتحة وإنسانية للنص الديني.

ولو كانت بعض القراءات المتشددة للنص الديني التي تنتشر اليوم في واقعنا هي التي سادت في أوقات ازدهار حضارتنا لما وصلنا شيء من إبداعات ابن خلدون وابن منظور وابن حزم وابن رشد والرازي وابن سينا وابن النفيس..، ولما وصلنا شيء من الشعر الجاهلي ومن أشعار المتنبي والمعري وابن زيدون..، ولما قرأنا شيئا من إنتاج الجاحظ والتوحيدي وابن المقفع والنفّري. لو كان سلوك حركة "طالبان" ، التي تقوم حاليا بقطع أصابع بعض من أدلى بصوته في الانتخابات الأخيرة (تعرفهم من الحبر الانتخابي على أصابعهم)، أو تصرفها حين حكمت أفغانستان مع تمثال بوذا هو السلوك الذي ساد في الحضارة الإسلامية لما وصلتنا الأهرامات ولا الآثار الرومانية ولا الآثار في غرناطة وقرطبة وغيرها.

إنّ الصراع بين القراءة المنفتحة للدين وبين القراءة المتشددة والحرفية كان صراعا قائما طيلة فترات تاريخنا حتى اليوم. وفي الوقت الذي أنتج التأويل الناضج والعقلاني للنص الديني حزب العدالة والتنمية في تركيا، أنتج التأويل المتشدد والمنغلق سلوكيات ومواقف وأفكارا متطرفة ودموية أحيانا، وأنتج لنا ابن لادن والظواهري والزرقاوي.

في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تمّ تعليق العمل بحدّ السرقة حين اجتاحت المسلمين مجاعةٌ. وتمّ أيقاف العمل بتقديم الأموال لـ "المؤلفة قلوبهم"، إذ قرأ عمر النص القرآني الخاص بهم على أنّ ذلك حين كان الإسلام ضعيفا، اما وقد قويتْ شوكته فقد انتفى الهدف من مدلول الآية. وهو تأويل جديد وجريء للنص القرآني بما يتناسب مع الواقع والمعطيات الجديدة.

ليس انحرافا القول هنا إن الفهم الشخصي للخليفة الراشد استنطق النص بشكل ولّد رأيا جديدا لم يقف عند حرفية الآية. ولعل هذا ما عناه الإمام علي كرّم الله وجهه بقوله:" القرآن لا ينطق، وإنما ينطق به الرجال". وقوله:" القرآن حمّال أوجهٍ".

لماذا حين يقرأ أحدنا النص الجليل وضمن شروط علمية كما فعل الفاروق، يُتهم من كثيرين بتحريف الدين والتعدّي على حرفية نصوصه؟!

ينقصنا في زمننا هذا التأويل الجريء الذي كان يحوزه عمر، الذي تمتّع في حادثة طاعون عمواس بقراءة أكثر عمق من قراءة أبي عبيدة رضي الله عنه، الذي لام الفاروق على مغادرته مكان الوباء (الشام) فسأله أبو عبيدة مستنكرا: أتفرّ من قدر الله؟! فأجابه عمر: نعم أفرّ من قدر الله (مكان الوباء) إلى قدر الله (مكان لا وباء فيه).

وفي آية غنائم الحروب "واعلموا أنما غنمتم من شيء فإنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل" كان الرسول الكريم يخمّسها ويوزعها بالتساوي على المقاتلين، وفي خلافة عمر ألغى المساواة، وقرأ النص قراءة جديدة فرأى أنه لن يساوي بين من قاتل في بدر ومن أسلم بعد الفتح. وكانت أراضي الفتح توزّع زمن الرسول الكريم على المقاتلين، لكنّ الفاروق، بعد تمدد الدولة، رأى أن الاستمرار في تطبيق هذه السياسة لن يُبقي شيئا للأجيال القادمة، وسيُضعف ميزانية الدولة الآخذة بالتوسع، وسيؤدي إلى احتكار المال بأيدي قلة، فيما الأجيال الناشئة ستكون بلا موارد، ولذلك جعل تلك الأراضي ملكا لخزينة الدولة.

قصارى القول: إن قوة النص المقدس تكمن في قابلياته غير المحدودة للتفسير والتأويل والفهم المتعدد الذي لا يلغي الواقع ولا يصطدم بالعلم والعقل، وحيث تكونُ المصلحة العامة فثمّ شرعُ الله.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رحم الله امرؤا عرف قدر نفسه (ابتسام خرما)

    الجمعة 28 آب / أغسطس 2009.
    أحسنت وهل لدينا تقوى أبو بكر ؟؟

    من رأى منكم بي اعوجاج فليقومه وخشية الفاروق من أن يحاسب على شاة عثرت في الشام لأنه لم يصلح لها الطريق وحكمة علي كرم الله وجهه و رضي عنهم في فهم الشرع وامتثال عثمان لحتفه لئلا تقوم فتنة بين المسلمين
  • »اين عمر (صلاح الدين-الاردن)

    الجمعة 28 آب / أغسطس 2009.
    ذلك القران ولكن اين عمر
  • »انا المسلم البسيط .. كيف ينبغي ان افهم الدين (ناصر عبيدات)

    الجمعة 28 آب / أغسطس 2009.
    الدين طريقة حياه واراه دينا راخرا بالحكمة والعقل معتدلا وليس في اطرافالنهايات وهو ما وقر القلب وصدقه العمل

    كل الاديان بما فيها الاسلام نقيه صافيه صفاء النبع العذب الرقراق ويعطيك صفاء القلب والروح والنقاء حتى الطهاره مرشدا رشيدا يجعلك في مناخ المتصالح مع نفسك والمحيطين من حولك

    الاسلام دين ومنهاج حياه ولكن كيف ومتى واين والاسلام مرن ولديه قابلية التكيف مع العصر بدليل ان الفاروق عمر بن الخطاب اعمل بفتوى قبلها العقل لفتره زمانيه انتشرت فيها الفاقه واباح الاجتخاد للعلماء الراسخين في العلم والدين والحكمه بما يوائم ظروف عامة المسلمين

    نحمد الله على سمو الروح في رسالة الاسلام انها رساله مرنه ولكن عصيه على الكسر كعصاة الخيزران

    شكرا للكاتب الاستاذ مجمد على هذا المقال الاجتهادي التنويرى لوسطية الدين من الشطط الذى امتد معه حسب معايير الفهم البشري يسرا ووسطا او انغلاقا

    هذا المقال يناسب مراحل حياتنا الراهنه وما اشد الحاجه للتمييز والمساحه المناسبه بين ثوابت العقيده وتمشية شؤونها اليوميه بيسر وسهوله وهي البوصله والنجاة
    وقد اتفق مع الدكتور خالد محمد خالد حين قال لاينكر تغير الاحكام بتغير الازمان
  • »مرهم لجرحنا (حسن العمري)

    الجمعة 28 آب / أغسطس 2009.
    أوافق الكاتب رأيه حين لامس جرحنا ووصف له مرهما يساهم في شفائه. أظن أن مسألة القراءة الشجاعة للنص عبر التفاعل مع الواقع بحاجة لشجاعة وجرأة نفتقدهما؛ فالمسلم غدا يخاف التفكير الحر بفعل سلطتي الفقهاء والسلاطين عبر التاريخ فهاهو الجاحظ يصف أهل زمانه بأن نفسيتهم نفسية العبيد وعقليتهم عقلية القطيع وكان يعيش في زمن كانت فيه الحضارة الإسلامية مزدهرة. ولا دواء لنا إلا أن نستثير شجاعة مسلم اليوم في التفكير الحر القائم على العقلانية النقدية لنبني تدينا عقلانيا يسعى دائما وراء الحقيقة ولا يدعي امتلاكها ابتداء.
  • »مقال تحفة رائعة (خالد السلايمة)

    الجمعة 28 آب / أغسطس 2009.
    أسعد الله صباحك أخي محمد,

    حقيقة إستمتعت جدآ بقراءة مقالك و أحسست أنك تتكلم عما يدور في ذهني و خاطري. صدقني كل كلمة و جملة في المقال مدروسة بعناية و أنا أهنئك عليه.

    أنا معك 100% و الله أنا أدعو الناس أن يفهموا الدين كما فهمه أبو بكر و عمر و عثمان و علي رضي الله عنهم أجمعين. أين نحن من تلك الأيام و فهم هؤلاء العمالقة لدين الله؟!

    نريد المزيد من هكذا مقالات و في نفس الإتجاه و أتمنى لك كل توفيق نجاح.