محمد برهومة

"صندوق الرأس"

تم نشره في الأحد 23 آب / أغسطس 2009. 02:00 صباحاً

ليس هناك شعب تحوّلت ثقافته السياسية والاجتماعية مرة واحدة قبل أن يحقق نظام حكم أفضل

لعلّ من أسوأ الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها بعض المثقفين أو السياسيين في العالم العربي قولهم إن فساد أحوالنا وتأخرنا وكثرة مشاكلنا إنما مرده إلى "عدم وعي المواطن" أو إلى فساد ثقافة المجتمع، وأنّ مشكلاتنا السياسية والاجتماعية "لا يحلّها صندوق الاقتراع لأنها (أي المشكلات) تكمن في صندوق الرأس"، كما يقول جورج طرابيشي!!

مناسبة هذه الإشارة هي حلقة برنامج "حوار العرب" الأخيرة، التي بثتها قناة "العربية" وناقشت فيها المجتمع المدني في العالم العربي، وكان المهندس عمر المعاني، أمين عمّان ضيفا من ضيوف البرنامج، ومن ضمن الأفكار التي أيّدها المعاني أن إحدى المشكلات الأساسية التي تقف عقبة في وجه قيام مجتمع مدني ناضج وفاعل ومؤثر في مجتمعاتنا العربية ومنها المجتمع الأردني، إنما يتمثل في "عدم وعي المواطن"!!

والحقيقة أن هذه "تهمة" شائعة يجري ترديدها على ألسنة مثقفين وسياسيين وعاملين في مجال العمل العام من دون إدراك ما تخفيه من تشخيص قاصر، يجنح للتهرب من المسؤولية وإلقائها على طرف آخر؛ ذرا للرماد في العيون. كيف ذلك؟

قد يجوز لنا عند توصيف وتحديد أسباب ضعف الحداثة السياسية والثقافة الديمقراطية في مجتمعاتنا أنْ نذكر منها وجود بنية اجتماعية وثقافية تقف عقبة أمام التحديث والتغيير ومتطلباته، لكن لا يجوز لنا أن نضع نقطة ثم نقف عند هذا التوصيف، من دون أن نقول إن سبب غياب هذه البنية هو السياسات والممارسات التي تنتهجها الحكومات غالبا. أليست هذه الرأس قد تشكلت عبر مناهج مدرسية وجامعية وعبر خطاب إعلامي وثقافي ودعوي... وتحت إشراف حكوماتنا وقوانينها وتشريعاتها... وهذه كلها ليست بأحسن أحوالها، ولا تصنع ثقافة عامة تقدّس كرامة الإنسان وحريته، وتصغي لأسئلته ولا تقمع حريته وتطلعاته؟. ثقافة عامة تجعل النظام واحترام قيمة العمل والإنتاج وتقدير الكفاءة أساسا للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي وليس المحسوبية والفساد والزبونية وغيرها من قيم تشدّنا إلى التخلف. بعبارة أخرى، ما يزال من المشكوك فيه أن من أولويات حكوماتنا خلق مناخ عام من الاستنارة  في أوصال المجتمع ومؤسساته يكون مواتيا للتحديث والإصلاح والإنجازات المتراكمة، وأبعد عن الجمود والسلبية في الأفكار والممارسات.

والقول إن مجتمعاتنا تقوم على بنية من الأفكار والقيم والسلوكات تقدّم في رؤيتها للذات والآخر، وإدارة الشأن العام، موارد مستمرة لتعزيز المحافظة والانغلاق والتخلف، مسألة تستحق النقاش والحوار، تحت عنوان (العائق الثقافي) ، لكن تصوير هذا الخلل في مجتمعاتنا وكأنه "جينات"  للانغلاق والتخلف وغياب التسامح، ليس لنا أمامها أيّ فكاك أو مهرب، هو حديث مغلوط وغير علمي ويتورط في "حتميات ثقافية" لا تقدّم مقاربة دقيقة لمشكلاتنا، بل تنطوي على جلد للذات وعلى "قدَريّة" في التوصيف لا تلتفت إلى أن الأفكار تتغير وتتحول بالممارسة والنقد، وأن العوائق الثقافية التي نتحدث عنها منتجة تاريخيا ويمكن تحويلها، كما يرى عزمي بشارة، الذي يلفت إلى أن إعطاء أو إكتساب الحقوق المدنية للشعوب أمر جوهري يسهم في إعادة إنتاج ثقافتها، إلى جانب أن ممارستها لهذه الحقوق يسهم في تحويل هذه الثقافة، وليس هناك شعب تحوّلت ثقافته السياسية والاجتماعية مرة واحدة قبل أن يحقق نظام حكم أفضل. إذاً فالحكومات، إلى جانب المثقفين ووسائل الإعلام وغيرها، لا بد أن تكون معنية ببناء متدرج لبنية ثقافية واجتماعية، تحتضن التحديث والإصلاحين السياسي والديني كمطالب وحاجات مجتمعية تحظى بالتوافق الشعبي. والتذرع بـ"عدم وعي المواطن" هروب من المسؤولية، وسلوك شبيه بسلوك ذاك الأب الذي يخاف على طفله الصغير الذي تجاوز السنتين ولمّا يتمكن من المشي؛ لأنّ أباه يخاف عليه من السقوط على الأرض والتأذي، ويخشى عليه من مخاطر التجربة وتحدي الحرية، التي من دونها لن يستطيع المشي ومعانقة الحياة واكتشاف العالم.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الأمين لا يعرف ما هو المجتمع المدني (مراقب)

    الأحد 23 آب / أغسطس 2009.
    في تلك الحلقة التي اشار اليها الكاتب عندما حاول الأمين تعريف المجتمع المدني اشار الى ان المجتمع المدني هو سكان المدن وعندما اراد ان يعطي مثالاُ قال ان لدينا برلمان كتعبير عن المجتمع المدني!!!! الا يعرف الأمين ان المجتمع المدني لا يعنب سكان المدن وانماهيئات وسيطة بين الناس والدولة. الأمين معذور في جهله بالتعريف لأنه لم يترشح لانتخابات وينافس هذا الموقع. اجزم بانه لو ترشح ونافس سيكون قد عرف ما هو معنى المجتمع المدني. ولكن في غياب الديمقراطية والانتخابات الحرة سيستمر هؤلاء بالسطو عليناوعلى عقولنا وجيوبنا وحياتنا وسيظروننا لمغادرة وطن لا يقدر قيمة الانتخابات الحرة والتنافسية.
  • »جينات الانانيه (امجد ابوعوض)

    الأحد 23 آب / أغسطس 2009.
    العقائد العنصريه تتفق على مبدأ يقول ان بعض الامم تتميز عن غيرها بصفات جسديه وعقليه تؤهلها لامتلاك قدرات على قيادة العالم والسيطره عليه لان الله وهبها جينات لا توجد في تكوين البشر المنتمين للامم الاخرى .
    واذا كان كل العالم الان لا يؤمن بمسألة الجينات هذه فكيف سنفسر الزمان الذي نعيشه ونحن نرى غيرنا من الامم وقد تقدموا وتاخرنا واصلحوا وأفسدنا ؟؟
    نعم انا مؤيد لفكرة ان السبب في تخلفنا هو (عدم وعي المواطن) ولكن بشرط ان تشمل كلمة المواطن معها المسؤولين والسياسيين والمثقفين على اعتبار انهم مواطنون وحتى الحكومه فهي مجموعه من المواطنين .
    اعود لمشكلة عدم الوعي ولا اجد لها سببا سوى اننا نمتلك (جينات الانانيه) , فهذه الجينات هي السبب في كون انفسنا مساحات ضيقه لا تستوعب الا تحقيق مصالح النفس دون ان يكون هناك مساحه لمصلحة الهويه الوطنيه او الهويه الامميه التي نحملهاولا اقصد هنا شعار التضحيه من اجل المصلحه الوطنيه العليا وانما اقصد ما قدمته الامبرياليه او الرأسماليه على اعتبار انها الايديولوجيه التي قامت ببناء الامم المتفوقه في زماننا هذا فقد توهمنا عندما فسرنا حرصها على حرية الفرد بانه سعي لتحقيق المصالح الشخصيه لهذا الفرد عن طريق الديمقراطيه وتوفير كل سبل الحريه للوصول الى كل ما يحلم به بمعزل عن مصالح الامه , وكان تفسيرنا خاطئا كالعاده فها هي الامبرياليه تنجح في تحقيق المصلحه العامه عن طريق تحقيق مصلحة الفرد بعد توعيته وتثقيفه ليتخلص من الجينات الانانيه لنرى نفسه وقد اصبحت مساحة واسعه فيها مكان لوطنه وأمته فتبدو الرأسماليه وكأنها نسخه متشدده عن الاشتراكيه.
    العمل على اعطاء الحقوق المدنيه للمواطن لن تؤدي بالضروره الى بناء ثقافه اجتماعيه ممكن الاعتماد عليها للوصول الى الحداثه والاصلاح فهي ربما ستكون وسيله لمزيد من التخلف في حال بقيت انفس المواطنين ضيقه ولا مساحة فيها للوطن والامه ومن امثلة التخلف الناتجه عن طريق منح الحقوق المدنيه شكل مجلس النواب الحالي والذي انتخبه المواطن مستغلا حقه الديمقراطي ليحقق مصالح نفسيه لا مكان فيها للوطن من ابرزها بقاء اسم العشيره في هذه المؤسسه الاستعراضيه.
    نتفق جميعا على ان النموذج الديمقراطي الغربي هو ما نريد الوصول اليه ولكن عدم الوعي يجعله هدفا امامنا وليس وسيله للتقدم وما يزيد من ألم المأساه هو وجود بعض التجارب الديمقراطيه التي حاكت النموذج الغربي في الشكل كما في العراق الا اننا نعلم ان رئيس الوزراء هناك استغل الشكل الديمقراطي الغربي الذي يتمتع به وقام بممارسة عدم الوعي ليفرض نفسه التي لا يوجد فيها مساحة لوطنه فلم يعمل للتخلص من عوائق استقرار العراق وانما كان سببا ربما في ازدياد الاحوال سوءا.
    تأثير جينات الانانيه تبدو كارثيه عندما تكون سببا في سلبية اداء المتعلمين اتجاه وطنهم وامتهم فهم يسعون للوصول الى اقصى درجات العلم بهدف التميز او بهدف الحصول على اعلى الرواتب والدخول متناسين دورهم الذي وجب عليهم القيام به من اجل وطنهم وامتهم . وعدم الوعي لديهم يجعلهم يتفنون في البحث عن الاعذار التي منها عدم توفير الوطن ما يلزم لهم لينفعوه بعلمهم وكانهم لا يريدون ان يعلموا ان علماء اروبا وامريكا هم الذين وفروا لاوطانهم كل هذا التطور .
    عدم الوعي يجعل الحكومات تلقي اللوم على المواطن ويجعل المواطن يلقي اللوم على الحكومات وسيبقى الحال كذلك حتى ياتينا احد علمائنا بانجاز علمي في مضمار هندسة الجينات يمنح لنا تقنية التخلص من (جينات الانانيه).
  • »الخلل في الطرفين! (خالد السلايمة)

    الأحد 23 آب / أغسطس 2009.
    الأخ محمد, أسعد الله صباحك و كل عام و أنت بخير,

    إسمح لي أن أخالفك اليوم لأنني من القائلين عمومآ أن العيب فينا نحن الناس و لكن بكل تأكيد الحكومات تلعب دور في تأخرنا سياسيآ.

    الحكومات هي مجموعة أشخاص من هذا المجتمع! أي أن أفكار الحكومة تأتي من الناس أنفسهم. لم أسمع يومآ أن حكومتنا إستوردناها من كوكب زحل! بل هي مشكلة (بضم الميم و فتح الشين و تشديد الكاف) من أشخاص معروفين و معروف أنهم منا و فينا! يا أخي نتاج سياسات الحكومة برأي المتواضع هو نتاج هذا المجتمع. لا أعتقد أن عموم الناس أحسن حالآ من الحكومات. الناس عندما تبيع أصواتها في الإنتخابات البرلمانية, ما ذنب الحكومة!؟ إنها عقلية هذا المواطن الذي باع صوتهّ! إنها عقلية المواطن الذي يصوت لفلان لأنه من العشيرة بينما هو يعلم أن فلان من العشيرة الأخرى أفضل منه للبلد. و هنا ما دخل الحكومة!؟

    هذا لا يعني أنني أبريء الحكومات, بل عليها نشر الوعي السياسي بكل السبل و الوسائل. نحن بحاجة إلى محاضرات و ندوات و بروشرات و إعلانات و كتيبات توزع على المواطنين من الحكومة فيها نصائح و إرشادات ذات طابع سياسي لتعريف الناس و تثقيفهم.

    أعتقد المشكلة في الطرفين فالمواطن يكمل الحكومة و الحكومة تكمل المواطن و الإثنين بحاجة ل "أوفرهول" كامل و السلام عليكم!