هكذا تهود إسرائيل القدس

تم نشره في الجمعة 21 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

 

يشكل الصراع الديموغرافي في مدينة القدس بين سياسة اسرائيلية صهيونية نفذتها اسرائيل منذ قرن من الزمن وما تزال وبين الإسرائيليين والعرب.

تمارس إسرائيل سياسة تهجير لسكان القدس العرب بشكل علني وأيضا بطريقة صامتة في محاولة لتغيير الوضع الديموغرافي في المدينة حيث تحاول ان تجعل الوجود العربي حتى عام 2020 لا يتعدى 14% من سكان المدينة، ولا يملكون اكثر من 80% من أراضي مدينة القدس، ذلك لطمس هوية وتاريخ القدس كمدينة عربية وفلسطينية. نفذت اسرائيل سياستها في تهويد القدس بعد احتلالها عام 1967.

بدء تهويد القدس

نجحت القوات الاسرائيلية بالسيطرة على المدينة المقدسة بعد ان احتلت 84% منها في عدوان عام 1948.

بعد دخول القوات الاسرائيلية في عدوان عام 1967 من خلال بوابة الاسباط تمكنت من احتلال المدينة بالكامل حيث قامت بفرض حظر تجوال كامل في يومي 7 و8 حزيران، وامرت السكان من خلال مكبرات الصوت ومنشورات وزعت باللغة العربية بالقاء السلاح امام بيوتهم لمن يملك سلاحا وقامت في اليوم التالي بجمع جميع السكان في ساحات القدس حيث قامت باعتقال المئات من شباب مدينة القدس بناء على قوائم كانت موجودة مع قوات الاحتلال وذلك بالتعاون مع الجواسيس.

وقامت القوات بترحيل مئات الشباب الى السجون الاسرائيلية وقامت في اليوم التالي بترويج الإشاعات من خلال الجواسيس عن نية عصابات اسرائيلية بالقيام بمجازر ومذابح بالمدينة المقدسة. هذا ما قامت به بالفعل باليوم التالي بالأخص في حي المغاربة، مما تسبب في هروب قسم من السكان من شيوخ ونساء واطفال إلى المدن الفلسطينية المجاورة والى بعض الدول العربية.

هدم حي المغاربة

حي المغاربة هو من اقدم الأحياء التاريخية في مدينة القدس ويقع في الجزء الجنوبي الغربي من المسجد الاقصى المبارك والذي حده من الشرق حائط البراق الذي حولته اسرائيل فيما بعد الى حائط المبكى وتوسيع ساحات هذا الحائط والقضاء على كل ما يحيط به وخاصة المعالم العربية الاسلامية التي تعود الى العام الثامن للهجرة.

وسمي حي المغاربة نسبة الى استقرار وتوطن قسم كبير من الحجاج المغاربة الذين كانوا يزورون القدس حسب احدى الروايات وفي روايات اخرى هو نسبة الى استقرار جنود وقادة من جيش صلاح الدين الايوبي المغاربة عندما قام بفتح مدينة القدس.

قامت اسرائيل بهدم هذا الحي في عام 1967 بعد اربعة ايام من العدوان. وبهذا شهدت مدينة القدس اول عملية تطهير عرقي الذي استمر حتى يومنا هذا على اعتبار ان هذا الحي يضم اقدم الحارات التاريخية في المدينة والكثير من الزوايا الدينية وقد قامت اسرائيل بهدم البيوت على رؤوس اصحابها الذين رفضوا مغادرتها.

حتى انها قامت بدفن جثثهم بين الانقاض تحت ما يعرف الان بساحة المبكى.  وواصلت اسرائيل سياسة التهويد حيث قامت بمصادرة 116 دونما من اراضي البلدة القديمة في عام 1968 كما هدمت مدرسة البنات التي كان بناها الاردن في عهد الراحل جلالة المغفور له الملك الحسين رحمه الله وقامت بهدم مجموعة من العقارات الواقعة خارج باب المغاربة والمؤدية للحرم القدسي. واستكملت بالعام نفسه هدم عشرات المنازل وطرد سكانها من حي ابو السعود الملاصق للحرم وذلك لتوسيع ساحة حائط المبكى وازالة كل المعالم العربية المحيطة بالاقصي وحتى تتمكن لاحقا من تنفيذ اعمال الحفريات وقد نجحت اسرائيل من خلال عدوانها من طرد 20 الى30 الف مقدسي في الايام الاولى من الاحتلال من اصل 120 الفا كانوا يسكنون المدينة قبل الاحتلال.

حل المجلس البلدي وأمانة القدس

خالفت اسرائيل قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية المنظمة للاحتلال العسكري بما في ذلك اتفاقيات لاهاي وجينيف وخالفت واجباتها كدولة محتلة حيث قامت القوات بحل المجلس البلدي وامانة القدس في 11/6/1967 واصدرت قرارا بضم مدينة القدس وشكلت لجنة عسكرية لادارة القدس، حيث قامت هذه اللجنة بتوسيع حدود بلدية القدس الغربية لتضم كل القدس الشرقية وقراها وصادق الكينيست على ذلك وقامت وزارة الداخلية الاسرائيلية عام 1967 باصدار قانون يفرض حق الاقامة على سكان القدس العرب (حاملي البطاقات الزرقاء) وسهلت الحصول على الجنسية الاسرائيلية لمن يرغب بذلك.

بهذا القرار اعتبرت اسرائيل أن سكان القدس العرب ليسوا مواطنين في مدينتهم وان مدينتهم ليست محتلة انما هي جزء من اسرائيل وانهم ليسوا الا اجانب فيها ويعاملون وفقا لقانون الاقامة الاسرائيلي، الذي يعطي فيه وزير الداخلية الاسرائيلي صلاحيات واسعة لتحديد شروط اضافية لمنح الاقامة وسحبها.

اسرائيل تعلن مدينة القدس عاصمة أبدية لها

بتاريخ 30/7/1980 صادق الكينيست الاسرائيلي على ان القدس عاصمة لدولة اسرائيل تحت عنوان (القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة اسرائيل).

لجأ العرب في حينها بمساعدة الاتحاد السوفيتي إلى الأمم المتحدة لتقديم شكوى لاعتبار القانون الاسرائيلي باطلا وغير قانوني. بالفعل صدر القرار رقم 478 بتاريخ 20/8/1980 عن مجلس الامن الدولي الذي اعتبر أن القرار الاسرائيلي بتوحيد القدس باطل وغير قانوني ومخالف لقواعد القانون الدولي والقرارات الدولية بما فيها قرار التقسيم 181 والقرار رقم 242 وغيرها من القرارات.

لكن اسرائيل تحدت قرار الامم المتحدة ولم تتراجع وحاولت ان تقنع الولايات المتحدة الاميركية بنقل سفارتها الى القدس تمهيدا لاعطاء الشرعية الكاملة لضم المدينة واعتبارها عاصمة لها. وقد وافق الكونجرس الاميركي على نقل السفارة للقدس الا ان الادارة الاميركية في عهد الرئيس جورج بوش الابن قد اجلت ذلك.

جدار الفصل العنصري وحاملو البطاقات الزرقاء

لا شك ان الفلسطينيين في القدس الشرقية قد تأثروا مثل إخوانهم في الضفة الغربية من اقامة الجدار الفاصل والذي تجاوز طوله 700 كم والذي زادت تكلفته على 2 بليون دولار والتي ادعت اسرائيل انه جدار امني ولكن هو جدار أقيم لمصادرة المزيد من الاراضي الفلسطينية والقرى بالاخص في القدس الشرقية وايضا من جهة اخرى فصلَ الجدارُ القدسَ عن ضواحيها الشرقية وجعل الجدار تلك الضواحي مثل ابوديس والعيزرية و الشيخ سعد والسواحرة خارج المدينة علما انها كانت في قلب المدينة حيث تم عزل هذه المناطق، ما تسبب بصعوبة كبيرة لوصول سكان المناطق المعزولة لمدينة القدس واصبحت مدينة رام الله اقرب لهم من مدينتهم بسبب هذا الجدار. وكان له تأثير على الحياه الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية لسكان هذه المناطق والخطورة تكمن بانه حسب القانون الاسرائيلي الجديد والمعروف بقانون مركز الحياة والذي بموجبه تتمكن اسرائيل من سحب البطاقات الزرقاء من سكان المناطق المعزولة بفعل الجدار الفاصل على اعتبار انهم اصبحوا خارج مدينة القدس وذلك في سياسة واضحة لتهويدها.

قانون "مركز الحياة" للتضييق على الفلسطينيين

اصدرت السلطات الاسرائيلية "قانون مركز الحياة" في عام 1995 وذلك بهدف التضييق على الفلسطينيين الذين يتمتعون بحق الاقامة في القدس، وذلك من خلال تصعيب شروط الاقامة في القدس حيث طبق القانون ضد الفلسطينيين الذين يحملون البطاقات الزرقاء حيث قامت بالغاء حق الاقامة في القدس لآلاف الفلسطينيين الذين تركوا المدينة لعدة سنوات واقاموا في دول اخرى، وفي بعض مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة.

نص القانون انه يمكن للسلطات الاسرائيلية ان تسحب البطاقة الزرقاء اذا ترك حامل البطاقة اسرائيل وسكن خارج اسرائيل مدة 7 سنوات او اكثر او في حال حصوله على اقامة في دولة اخرى او جنسية اخرى. وبالتالي فرض القانون على سكان المدينة العرب تزويد وزارة الداخلية الاسرائيلية بمجموعة من الوثائق التي تثبت اقامة المواطن في القدس او عدم الاقامة.

بعد تطبيق السياسة المسماة (بمركز الحياة في القدس) ازدادت حالات سحب الهويات بنسبة 500%؛ حيث تم سحب ما يزيد على 12000 هوية منذ عام 1967 . يوجد ما يزيد على 10000 طفل في مدينة القدس غير مسجلين في هويات ذويهم ويقدر عدد الاطفال غير القادرين على التسجيل في المدارس الحكومية او تلقي العلاج بسبب عدم تسجيلهم ب 24%من أطفال القدس.

تجدر الاشارة الى ان عدد الفلسطينيين داخل حدود بلدية القدس يقارب الـ300 الف، حيث تم طرد ما يقارب 180 الف شخص الى خارج حدود البلدية بسبب التهجير القسري والصامت.

إذا كان الفلسطينيون يسيطرون على 100% من الاراضي في القدس الشرقية عام 1967 اصبحوا يسيطرون الان على 14% فقط بسبب عمليات المصادرة.

في المقابل انشأت اسرائيل اكثر من 17 مستعمرة في القدس يعيش فيها ما يقارب 250 الف مستوطن وهدمت اسرائيل ما يقارب 9000 مسكن منذ عام 1967 عائدة لعائلات فلسطينية داخل حدود المدينة علما ان 98% من المساكن التي بنيت في القدس الشرقية كانت تعود لمستوطنين يهود.

المخطط الهيكلي لمدينة القدس حتى عام 2020

تسعى اسرائيل وعلى نطاق واسع وبميزانية ضخمة للغاية تقدر بعشرات البلايين من الدولارات لتنفيذ الخطة الهيكلية لمدينة القدس حتى عام 2020  والتي تقضي اولا بتوسيع البنية التحتية وتحديثها واقامة سكة حديد خفيفة تشق المدينة وتستولي على الاحياء التاريخية فيها وحتى المقابر الاسلامية القديمة التي تحوي رفاة الشهداء من جنود جيش صلاح الدين لتربط المستعمرات في القدس بخط قطار وتربطها بحائط المبكى واقامة حدائق معلقة ضخمة بالاضافة الى اقامة عدد كبير من المستوطنات وتقديم اغراءات مالية ضخمة لسكن تل ابيب وغيرها للسكن بالقدس.

حيث تقوم الخطة بان يصل عدد اليهود في مدينة القدس الى ما يزيد على 88% من السكان. وتنفيذ خطة سياحة واسعة تهدف لاستقطاب السياح الاجانب للترويج الى المدينة سياسيا واعتبارها عاصمة اسرائيل ودينيا كمركز ديني لليهود وتاريخيا لاحتوائها على اثار ذات طابع ديني لديانات مختلفة اضافة الى ما سوف تحويه من مراكز ترفيه وتسلية.

القدس تستغيث بابنائها، وهي محاصرة بمخططات اعدائها على امل ان يدرك ابناؤها من العرب المخاطر الكبيرة التي تواجه المدينة المقدسة، فقد وصلت الحفريات الى داخل المسجد الاقصى المبارك.

ولن ينقذها إلا موقف عربي موحد ونبذ خلافات العرب وتناحرهم وأن يجعلوا من حماية الاقصى واستعادة القدس قضيتهم المركزية.

* استاذ وعميد القانون الدولي في جامعة الزيتونة الاردنية

التعليق