خواطر صيفية في: المجتمع والثقافة والسياسة

تم نشره في الاثنين 17 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

 

1- من برلين أحضرت ولدي لؤي (6 سنوات) ونوح (3 سنوات) إلى مصر لزيارة الأهل والتعرف على القاهرة. أن ترى العاصمة المصرية بعيون طفلين يعيشان في دولة أوروبية غنية هي ممارسة ممتعة ومؤلمة في ذات الآن، وتلقي في جميع الأحوال بعضا من الضوء الكاشف على جمال المكان وسكانه وكذلك تناقضات ومنغصات حياتهم اليومية.

مشاهدات لؤي ونوح ولدّت لديهما أسئلة تختزن المفارقات التي يلمسانها. فحديث الأطفال مباشر ولغتهم لا تستدعي من الشرح أو التأويل الكثير: الناس هنا يتكلمون بسرعة فائقة ويبتسمون باستمرار، لماذا يتجول باعة من الأطفال في الطرقات، للبعض قدرة رائعة على حفظ التوازن والسير بسرعة حاملين الكثير على رؤوسهم (إشارة إلى بائعي الخضراوات والفواكه الجائلين في شوارع القاهرة)، لماذا يوجد رجال مرور في كل مكان، الناس يفرون في الطرقات من السيارات والحافلات، لماذا يضرب البعض الأطفال، أجمل ما في القاهرة هو النيل وسيارات التاكسي... كلاهما أسود، لماذا تغني المصاعد (إشارة إلى المصاعد التي ما أن عملت حتى تدور بداخلها تسجيلات لأدعية دينية وآيات قرآنية)، في القاهرة بنايات مرتفعة للغاية وأخرى شديدة الانخفاض (إشارة مصدرها المرور بالمنطقة الفاصلة بين حي المهندسين الراقي وحي بولاق الدكرور الشعبي)، لماذا لا ينام أحد عندما يحل المساء.

2- ثمة رداءة واضحة في الجدال المستمر إلى اليوم في مصر بشأن منح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية للأستاذين سيد القمني وحسن حنفي. وخلال الأيام القليلة الماضية تواصلت الحملة الإعلامية لبعض الأقلام والأصوات القريبة من التيارات الدينية وبعض مدعي الدفاع عن ما يسمى وسطية الفضاء العام في مصر ضد القمني بصورة خاصة وتطورت من تكفيره إلى اتهامه بتزوير درجة الدكتوراة والتهديد "بجرجرته إلى المحاكم" والتقليل من قيمة إنتاجه العلمي وتحميل علمانيي وزارة الثقافة المصرية وزر خطيئة منحه الجائزة ومطالبة الوزارة بسحبها والاعتذار من عموم المصريين.

الرديء في الجدال الدائر هو من جهة أولى غلبة الطبيعة الإلهائية، فلا نقاش حقيقي لأفكار القمني وطروحاته، فقط سيل من الإتهامات الشخصية والمهنية ضده والتعريض به تارة باسم الدين وتارة باسم الوسطية والقيم الأصيلة.

من جهة ثانية، يبدو أن تعددية الساحة الإعلامية المصرية تتسم بالمحدودية الشديدة، فهي تقتصر على اختلاف وتنوع المواقف من شؤون السياسة والمجتمع بين نخبة الحكم والمعارضات الحزبية وغير الحزبية ولا تمتد بأي حال من الأحوال إلى الأمور الخلافية التي يتقاطع بها الديني مع قضايا تمس حرية التعبير عن الرأي.

هنا، تصنف أغلبية كاسحة مع الرقابة والمنع والتحريم والتكفير، وتتحرك بقوة الإجماع العام كوحش كاسر يلتهم من يوظف صوته أو قلمه دفاعا عن الحرية. من جهة ثالثة، يبين تلويح البعض بإمكانية مقاضاة القمني وعدم الاكتفاء بالحملة الإعلامية إن بتحريك دعوة حسبة ضده أو على خلفية اتهامه بتزوير درجة الدكتوراة، أن مع غياب التسامح وقبول الرأي الآخر والارتضاء بالإدارة السلمية للاختلاف تهيمن ثقافة إنزال العقاب والتهديد به على الفضاء العام، وتوظف بقسوة لقمع من يخرج عن الإجماع العام.

3- تحسن الدبلوماسية العربية برفض الإقدام على خطوات تطبيعية باتجاه إسرائيل لمجرد إقناع حكومة اليمين بتجميد النشاط الاستيطاني أو لإرضاء الراعي الأميركي الراغب في تسجيل تقدم سريع على الأرض. فالحكومة الإسرائيلية متطرفة وغير راغبة في السلام، والعرب لم يعد لديهم من الأوراق الجماعية سوى الربط بين انفتاحهم على إسرائيل، وبين إعادة ما تبقى من الأراضي العربية المحتلة في 1967، وقبول قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كشرط للسلام في الشرق الأوسط.

أكاديمي مصري

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخاصية الجمالية للرؤية من الخارج (فائق بدري)

    الاثنين 17 آب / أغسطس 2009.
    تعليقات الاولاد ملفتة للنظر وفي غاية الجمال، تحمل في طيها قوة ملاحظة ودهشة بريئة في وصف ملامح المجتمع هناك وماتحمله من مآسي والام ونمط حياة مغاير.

    اما عن الحملة المسعورة ضد شخص الدكتور سيد القمني، فمن تابع المناظرات التي جرت على الفضائيات المختلفة، او من شاهد تلك المناظرات على موقع اليوتيوب، وحتى من لم يقرأ كتاب للقمني بعد، لايملك الا ان يقف في صف القمني، لأنه الطرف المقابل ثبت انه لم يقرأ شيء من كتبه، وان محاولات التكفير والجرجرة للمحاكم لا تستند الى اساس، يكفي ان احد الشخصيات الدينية اعترف أنه لم يقرأ شيئا للقمني قائلا بأنه لا يقرأ تلك (الزبالة)، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف تصدى لمواجهة مفكر كبير وكيل التهم جزافا؟