نادر رنتيسي

"قرّرتُ أن أتنحّى تماما، ونهائيا"!

تم نشره في الجمعة 14 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

تبدو الأمور عادية مثل كل يوم؛ فقد انتهى رصيدي من الدقائق في منتصف مكالمة كنتُ على وشك أن أستعيد بها زوجتي الناشز، فانقطع صوتي عنها، وراحتْ، مثل كل مرة، تتوعدني لأنني أبالغ في المبادرة إلى تسديد فواتيرها المترتبة على قلبي، بأن أقفل الخط أولا!

لا بأس أن أسجِّل انتصارات، ولو وهمية، ولو على زوجتي الناشز؛ فذلك شعور لا يتوفر دائما، لمبالغتي في المشي مختصرا مرحلة من مراحل المواصلات المتعددة حتى أصل عملي متأخرا، عامدا متعمِّدا، وأواجه تقريع مسؤولي في العمل، بأن أمعن في التحديق بالأرض، ثم أرفع رأسي فقط لأنظر إلى السقف، وأنبِّه مسؤولي إلى أن قطرات من الماء تسقط على رأسه كالمعتاد.

أصير أكثر شجاعة حين أذكِّرُه أن عليه مخاطبة مسؤوله بأن يجد حلا لائقا لسقفه المثقوب، وأنْ يكفَّ عن ترديد عبارته البائسة أن سقفه، الوحيد، واطئ من بين أسقف المسؤولين الآخرين!

لم أكترث لكل ما جرى أثناء اليوم، فكلها أمور عادية، تحدث بتواتر منتظم، حتى المظاهرة التي تم تفريقها بـ "عنف مفرط"، وغاز كثيف يسد مجرى الهواء والدمع، شاهدتها كثيرا في التلفاز، لكنني اليوم مرَرْتُ قربها، وهتفتُ مع المتظاهرين شعارات صاخبة، أحدها كان شديد الصلة بخلافي مع زوجتي الناشز، فقد جهر المتظاهرون برغبتهم أن يحيوا بكرامة، تلك التي انتزعتها زوجتي مني، وجعلتني "علكة" منزوعة الماء في فم ناس رأيتهم يمضغونها في المظاهرة!

غادرتهم ولحسن الحظ فقد هاجم الأمن المتظاهرين بعصي غليظة. أفرطتُ في الشماتة، خصوصا أنهم صدحوا بهتافات استعصت على استيعابي، لكن ذلك سبّب لي حرجا بالغا أمام نفسي، وقرّرتُ بشكل سريع أن أهتم بتثقيف نفسي، فلربما كانت تلك الشعارات التي لم أفهمها ذات صلة أيضا بخلافي المستعصي مع زوجتي الناشز!

وتنفيذا لتوجهي بتثقيف نفسي قررت أن أكون مستمعا جيدا، وكان أول ما سمعته حين صعدتُ الحافلة صوت رجل قميء الهيئة كان يجلسُ قرب السائق، وبسرعة خاطفة منحنا وجهه الكئيب، موليا ظهره للسائق، متحدثا بعد توطئة خطبة الجمعة المعتادة، عن عقاب المنتحر في القبر. وقررتُ سريعا تأجيل تثقيفي، ليبدأ من اللحظة التي ينتهي منها الشيخ الذي بلل لحيته الحمراء بدمع قليل الملح!

نزل الشيخ المتباكي في أول محطة، فوجدها السائق فرصة لتشغيل المذياع، ووجدتها فرصتي الأولى للتثقيف فأصختُ السمع. قال المذيع إن قوات الأمن فرقتْ مجموعة من الخارجين عن القانون الذين نادوا بشعارات "هدامة". صفقتُ، ثم استدركت لما رأيتُ وجوه الركاب المتعبة تتجه إلي، فارتد فرحي داخلي؛ فقد كنت على حق حين وليتُ هاربا. لم يشأ السائق أن يُسمعنا المزيد من الأخبار التي انتهت جميعها بموت ركاب حافلات في تفجيرات متعددة من العالم، فأزاح المؤشر قليلا، لينطلق صوت غناء فصيح:"لم يعد صدر الحبيب موطني لا ولا أرض الهوى المذبوح أرضي"، كان حزنه مؤثرا ودفعني إلى مغادرة الحافلة، واستكمل الطريق إلى بيتي مشيا، فهو خال ولا أحد ينتظرني هناك إلا التلفاز الذي اعتبرته وسيلة تثقيف، فاخترت محطة تبث فيلما كان يعاني فيه البطل من مشاكل نفسية متعددة، وزوجته، الناشز فيما يبدو، تخونه وهو يدرك ذلك، ثم يغفر لها، ويقبلها، ثم تختفي ملامحهما في الغروب، وصوت تاريخي هادئ ينطلق من مشهد بحري باذخ في سحره البرتقالي يجمعهما: "اتخذتُ قرارا أرجو أن تساعدوني عليه"، تكون القبلة قد اكتملتْ، فيواصل الصوت التاريخي المألوف "فقد قررتُ أن أتنحّى تماما، ونهائيا عن أي منصب رسمي، وأنْ أعود إلى صفوف الجماهير..".

وعلى الفور عبأتُ رصيدا جديدا، وهاتفتُ زوجتي التي كذبتُ حين قلتُ إنها ناشز، وكل ما في الأمر، أو أخطر ما في الأمر أنني لم أستطع الإنجاب منها. رنّ الهاتف رنينه البارد مرات ولم يقطعه صوتها الحاد. قررتُ أن أذهب إليها، مشيتُ في الشوارع كانت خالية من المتظاهرين، وليست مثلما بدت في التلفاز مليئة بجموع تثني جمال عبد الناصر عن التنحي.

لم تعد زوجتي. وكل الأشياء التي كانت عادية لم تعد كذلك، منذ قرّرتُ أنْ أتنحّى تماما، ونهائيا، حين سددتُ فوهة المسدس على صدغي، تماما كما لم يفعل جمال عبد الناصر، "إثر حفلة سمر في حزيران"، فلم أطلق طلقة واحدة، أنا الذي أباتُ في بيت النار وأمضي صباحا، ولا أرى متظاهرين؛ فقط جموع غير منتظمة تحكُ صدغها!!   

Nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هون عليك .. انت كاتب متشائم (nasser obeidat)

    الجمعة 14 آب / أغسطس 2009.
    عزيزي الكاتب ان تشاؤمك من افرازات النكبه زوجتك ليس ناشز
    افتح قلبك لها كان الله في عونكما
    من اجل فلسطين تسلح بالامل ولا تجلد ذاتك واتق الله في نفسك وعليك
    ان تعد للعشره دائما قبل ان تتخذ
    قرارا وفقك الله
  • »وانا كمان (كوثر أبو شرار)

    الجمعة 14 آب / أغسطس 2009.
    وانا كمان كثيرا ما تساورني الرغبة بأن أتنحى تماما ونهائيا ولكن من يجرؤ؟؟
  • »الصمت ابلغ من الكلام (يوسف العواد)

    الجمعة 14 آب / أغسطس 2009.
    المتأمل لمسرح الحياة هذه الايام يرى هذا التناقض العجيب في فهم الحقائق و التي هي من المسلمات في حياتنا. تماما مثل اشراقة الشمس وغروبها كل يوم و مثل دوران الارض .فحين تغطى الشمس بغربال. وحين يصدق الكاذب و المنافق و الانتهازي. ويكذب الصادق و المؤمن بالقيم ونكران الذات. وحين يكون السارق فهلوي. و الامين اهبل. وحين يتقاتل العلماء و المثقفين قتال الجهال. فأن افضل شيء يفعله الحليم هو التنحي تماما و نهائيا.لان الصمت عندها ابلغ من الكلام.
  • »عبارة مستهلكة (محمد عابدين)

    الجمعة 14 آب / أغسطس 2009.
    عبارة عبد الناصر (قررت ان اتنحى) مستهلكة جدا في المسلسلات والافلام المصرية والكاتب هنا يلجأ لها لاثارة الانتباه فقط حيث انها لا علاقة لها بالمقال بالضبط كما يحدث في الافلام دائما يقحمونها
  • »وبعدين (تمارا)

    الجمعة 14 آب / أغسطس 2009.
    طيب وبعدين شو المقصود من المقال. توقعت من العنوان اقرا شي اله مضمون وهدف وغاية مش مجرد استعرض وإدهاش !!!
  • »من فيكم هو الناشز (رولا)

    الجمعة 14 آب / أغسطس 2009.
    كم أمقت تلك الكلمة: ناشز. وكأن اي امرأة لا تطيق ممارسة النفاق الزوجي باختيار البقاء مع زوج لا تجمعه به الا ورقة وتوقيع، غالبا" ليس توقيعها،هي جريمة كبرى تضعها في خانة الخونة. أما الرجل،كالعادة، فله الحق في الاقتراب او الابتعاد وفقا" لأهوائه الشخصية.

    فلتتنحى يا سيدي كما تريد ان لم تستطع مواجهة الحياة كما هي، بحلوها ومرها
  • »قرار لا يحدث (أحمد مساعد)

    الجمعة 14 آب / أغسطس 2009.
    كلنا نتمنى "أن نتحى تماما ونهائيا" مثل الكاتب ولكن لا نستطيع، وعبد الناصر كمان لم يتنحى .هذه طبيعة الإنسان يستمر حتى آخر لحظة لشيء اسمه الأمل
  • »يجب ان تكون هده المقولة على افواه الفتحويين (د. عبدالله عقروق \بيروت مؤقتا)

    الجمعة 14 آب / أغسطس 2009.
    كنت اتوقع من الاستاد نادر ان يخاطب اصحاب الدكاكين الفتحويين ويطلب منهم تقديم استقالاتهم لات رائحتهم قد فاحت كثيرا ، وظهروا على حقيقتهم انهم زمرة رجال يحسنون فن الخطابة والشتائم ولكنهم فاشلون في تسير مقدرات اهل فلسطين ..وان ينصرفوا لدكاكينهم وتجاراتهم وادارة اموالهم التي نهبوها من افواه الاطفال اليتامى والنساء الارامل اباءوزوجات الشهداء الابطال
  • »ليست مقال (سامر العلي)

    الجمعة 14 آب / أغسطس 2009.
    أتابع كتابات الرنتيسي منذ فترة وهي جملية ومعبرة لكنها ليست مقالات وفق ما هو متعارف عليه إنها تصلح ان تكون في كتاب. فهي صعبة نوعا ما وتحتاج أكثر من قراءة. واناقرأت هذا المقال مرتين ولم أصل إلى نتيجة واضحة..
  • »واقعي ومؤلم!! (رنا سمارة)

    الجمعة 14 آب / أغسطس 2009.
    مجرد أن انتهيت من المقالة شعرت احساس غريب كإني واحدة من الناس التي خرجت في المظاهرة وسددت فوهة على صدغها. واقعي جدا ومؤلم جدا!!