معسكرات الاعتقال و"الصور النمطية" المتبادلة

تم نشره في الاثنين 10 آب / أغسطس 2009. 02:00 صباحاً

 

 ركبْت القطار عند بلوغي سن العشرين إلى محرقة أوشويتز. حدث ذلك في العام 1992. كنت، وبفضل عشر سنوات في مخيم صيفي كان رواده من اليهود بشكل كامل تقريباً، في الجبال البيضاء بولاية نيوهامبشاير.

قمت بمبادرة شخصية بمشاهدة المكان بأم عيني، وهو مكان يعتبر وجوده حقيقة مطلقة عند البعض، لدرجة أن إنكاره يشكّل جنحة يعاقب عليها القانون في بعض الدول. وقد أكد لي هؤلاء الذين لا يؤمنون بوجوده أنه نسج من الخيال.

حدث ذلك في يوم شتاء ماطر كئيب. وصلت إلى برلين، ومنها إلى كراكاو، حيث استقللت سيارة أجرة إلى المعسكر. تجولت في أرجائه محاولاً استيعاب ما لا يمكن فهمه. زرت في شتاء تلك السنة كذلك معسكرات تيريزن في تشيكوسلوفاكيا وداكاو في ألمانيا.

قابلت في العام 1996 الدكتور كوتي، اختصاصي البصر في مانهاتن، للمرة الأولى. عندما أخبرته أنني من الكويت، سألني بأسلوب بياني يهدف إلى مباشرة حوار إذا كنت أعرف أصل كلمة كوتي، مجيباً أنها تصغير لكلمة كويتي. يبدو أن طبيب العيون هذا يهودي كويتي من الجيل الرابع، مولود في نيويورك. يا له من عالم صغير. كان يمكن أن يكون، بل يجب أن يكون، طبيب عيوني في الكويت.

يسهل أن ننسى أن المكان الوحيد، خلال ألف سنة مضت، لأن يكون المرء يهودياً ويشعر بالأمن والسلامة هو بين العرب. لقد أخجل تاريخ الاضطهاد الرهيب لليهود في أوروبا والذي انتهى بالمحرقة، أخجل العالم وعَمِل على تسريع عملية الاعتراف بالحاجة لإيجاد ملاذ آمن للشعب اليهودي. إلا أن ما فاز به شعب سرعان ما أصبح خسارة لشعب آخر.

ليس هناك مجالاً للهروب من حقيقة أن إيجاد وطن للناجين من واحدة من أكثر مآسي التاريخ رهبة هو بحد ذاته مأساة جارية لسكان ذلك الوطن، تماماً مثلما لا نستطيع الهروب من الحقيقة الرهيبة لهؤلاء الذين قضوا في عنابر الغازات السامة في معسكرات الاعتقال.

يذهب أطفالي اليوم إلى معسكر روبن هود. آمل أن يكبروا وفي قلوبهم رهبة من المحرقة كما حصل معي. وآمل أن ينشأ زملاؤهم في المخيم وفي قلوبهم رهبة من أن يصحوا في يوم من الأيام ليجدوا أن مجموعة من الذين نجوا من مجزرة رهيبة يُسمح لها اليوم أن تحتل بيوتهم مستخدمة كتاباً مقدساً كوثيقة ملكية.

يمكن للتغيير الحقيقي أن يتم من خلال تفاعلات من هذا النوع. قد يعود الجيل الخامس من عائلة الدكتور كوتي إلى الكويت لممارسة أعمالهم هناك. سوف أرّبي أطفالي بالتأكيد للترحيب باحتمالات كهذه.

إلا أن الأمر يحتاج لأكثر من جهود فردية ترتكز على تجارب ذات طابع يتّسم بالخصوصية لتحقيق تغيير ذي معنى وشأن. سوف يتطلب الأمر جهوداً حثيثة من جانب الهيئات التربوية والترفيهية في أماكن جرت فيها مأسسة الإجحاف والتحامل، يتم فيها طرح الخيال بشكل روتيني على أنه حقيقي، والحقيقة على أنها خيال.

عندما قمت بابتكار سلسلة (الـ 99) المستوحاة من الثقافة الإسلامية، عملت جاهداً لضمان أن يأتي الأبطال من تسعة وتسعين بلداً، لمحاربة هذه التحيزات وذلك الإجحاف. كنت أظن أن سيتوجب علي العمل وحيداً، ولكن تبيّن أنني كنت على خطأ.

لقد وحّدت (ألـ 99) قواها مع رابطة العدالة الأميركية التابعة لـ دي سي كومكس. من خلال العمل مع نظراء مثل سوبرمان وباتمان والمرأة العجيبة (وندروومان)، سوف يبذل أبطال (ألـ 99) جهودهم لتطبيق رسالة الرئيس أوباما الأخيرة في مجال التسامح الثقافي.

* د. نايف عبدالرحمن المطوع ابتكر مجموعة (ألـ 99) وهي مجموعة اشتهرت عالميّاً من كبار الأبطال حسب النماذج الإسلامية البارزة.

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع خدمة Common Ground الإخبارية

التعليق