فتح وحماس وفن "الشيطنة"

تم نشره في الأحد 9 آب / أغسطس 2009. 02:00 صباحاً

غياب آليات مؤسسية للانضباط والشفافية والمحاسبة سمح بوجود الفساد والمبالغة في الحديث عنه

بعد أيّام من إعلان فاروق القدومي، الرجل التاريخي في حركة "فتح" وثيقة يقول إنّها تدين قياديين في الحركة باغتيال ياسرعرفات، التقيت مصادفة في لقاء مع مجموعة أصدقاء آتين من الضفة الغربية شخصا قدّموه لي على أنّه إعلامي، ادّعى أنّه قابل القدومي في قصره في عمّان. استغربت الأمر وقلت: ألم يكن القدومي مقيما في فندق وعبّاس ألغى حجزه عندما غضب منه؟ أصر "الإعلامي" أنّه التقاه في قصره.

بعد أيام من تلك المحادثة كنت أتحدث مع زميل من "الغد" يُعد تقريرا عن مؤتمر فتح، وأبلغني أنّه التقى القدومي في "شقته" وسألته عن وضع الشقة، فقال إنّها أقل من عادية. مثل هذه القصة المتكررة هي جزء من ظاهرة برع العرب والفلسطينيون فيها على على نحو هائل وهي ظاهرة "الشيطنة"، أي تحويل الآخر إلى شيطان.

بالطبع القدّومي مارس"الشيطنة" ضد خصومه بوضوح. وقبل ذلك مارستها فتح مرارا، منها مثلا عندما اتهموا هاني الحسن بأقذع الاتهامات الشخصية لتبنيه مواقف مناهضة لخط  قيادات الحركة علنا. كما باتوا يستخدمونها ضد خصومهم ومن ذلك التقارير عن شراء أيمن طه، القيادي في "حماس" فيلا فاخرة بقيمة 700 ألف دولار في غزة.

كانت المرة الأولى التي سمعت هذا المصطلح فيها من أحد المدافعين عن محمد دحلان، عندما قال لي إنّ حماس وآخرين نجحوا في "شيطنة" دحلان، وتحويله إلى شيطان في نظر الناس. لم أتفق مع المدافع عن دحلان، وذلك لأسباب تتعلق بتحفظ على نهج كامل يعد دحلان أحد أبرز عناصره بغض النظر عمّا يقال عنه.

 "الشيطنة" مارسها خصوم فتح بشكل خاص. وقدّم الزميل ابراهيم جابر إبراهيم في مقاله الأخير في "الغد" مثالا "مرعبا" عن خطاب "حماس" حول الشاعر محمود درويش وشيطنته، واتهامه باتهامات لا أدري كيف يسمح أي متديّن لنفسه أن يجزم بها؟. وهي اتهامات لا تبعد كثيرا عن ما قالته قيادات في "حماس" طويلا عن ياسر عرفات في حياته، وما يقال عن آخرين.

 يتحمل المسؤولية عن هذه الظاهرة طرفان رئيسيان. أولهما الفصائل الفلسطينية ذاتها، فحركة "فتح" وبسبب عدم وجود آليات مؤسسية للانضباط والشفافية والمحاسبة سمحت بوجود الفساد والمبالغة في الحديث عنه، واستخدمت "الشيطنة" جزءا من سلاح التصفيات الداخلية. أمّا "حماس" فلتبرير طرح نفسها بديلا في كل شيء، أقدمت منذ وقت مبكر على استخدام هذا السلاح.

ويتحمل الإعلام وزراً أيضا. فرغم الاهتمام الإعلامي الضخم بالمؤتمر، كان واضحا نقص المعلومات وجهل الإعلاميين والمراسلين بدهاليز المؤتمر وتفاصيله، وتحولت أكبر فضائيتين عربيتين إخباريتين لجزء من الحرب داخل المؤتمر وبأسلوب بعيد عن المهنية.

متابع قناة "العربية" يتخيّل أنّها "قناة محمد دحلان"، لكثرة ما تم استضافته وتسليط الضوء عليه. بالمقابل كانت "الجزيرة"، تعيش ثنائية ففريقها الميداني في بيت لحم موضوعي ومتميّز، أمّا في تقاريرها من الاستديوهات في الدوحة، فبدت كما لو كانت قناة "فاروق القدومي"، وهي تُبرز أو حتى تقتصر خبرها عن المؤتمر في بعض النشرات على تعليقاته رغم أنّ الاهتمام الفعلي داخل المؤتمر ذاته بتصريحاته محدود جدا. ومثل ذلك أيضا التقاطها تصريحاً لأشخاص وافتتاح نشراتها بها لمجرد أنها تنتقد المؤتمر، كتصريحات أشرف جمعة العضو في الحركة في "غزة"، رغم وجود من هم أهم وأبرز منه لهم تصريحات مختلفة. وعمليّا بدت "الجزيرة" وحتى "حماس" تسقطان في فخ دعم دحلان عندما بدأتا تروجان لأي نقد للمؤتمر حتى لو كان يصب في خانة ما يريده أنصار دحلان. 

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال قريب من الحياد ... و لكن!!! (م. أحمد)

    الأحد 9 آب / أغسطس 2009.
    في المقال بعض الحياد كونه يتطرق لنقد سلوك معين مهما كانت الجهة التي تقف وراءه. رغم ان الوضع بنظري غير قابل للمقارنة بين من يعاون الاحتلال و من يقاوم الاحتلال، لكن يبقى في المقال بعض الحيادية التي غابت عن عدد من مقالا الغد في لأيام الماضية.
    بالعودة الى ما ورد في مقال السيد ابراهيم جابر بالامس الذي يستشهد به الكاتب، ارى ان هناك مغالطة واضحة في الطرح، و تاليا اورد الاسباب:
    - المقابلة كانت ثقافية شعرية و ليست سياسية، رغم انها تناولت الشعر السياسي من قصيدة محمود درويش الى معارضة عبدالرحمن يوسف.
    - شعر المعارضات اسلوب شائع في الشعر العربي، و قد يحتوي على الهجاء احيانا، و كلنا يعرف بمساجلات شوقي و حافظ و طوقان. التي لم تشيطن ايا منهم.
    - عبدالرحمن يوسف شاعر مصري، و هو ليس حمساوي ولا اسلامي من اصله لكنه وطني و معارض شرس في مصر،
    و لمن لا يعرفه يمكن البحث عن بعض اشعاره على الانترنت، حيث فاق عدد مستمعي احدى قصائده على اليوتيوب اكثر من نصف مليون مستمع.
    - محمود درويش الشاعر هو مصدر فخر و اعتزاز لدى كل الشعب الفلسطيني حماسه و فتحه و جهاده، و قد استمعت لمقابلة مع د. رمضان شلح استشهد فيها باشعار لدرويش و مدحه كثيراً، و رغم الاختلاف السياسي للبعض مع درويش السياسي الا انه يبقى محط تقدير و احترام.
    - الاقتباس الذي اورده الكاتب من قصيدة ليوسف هو مجتزأ من سياق شعري، و هو لا يشير ابدا الى المعنى الذي وظفه به.
  • »مقال في الصميم (خالد السلايمة)

    الأحد 9 آب / أغسطس 2009.
    يعطيك العافية أخي الكاتب على هكذا مقال جميل و موضوعي و متزن. و أنا اؤيدك فيما جاء و بكل تفاصيله. مقالك و مضمونه يصلح للتعليم بالمدارس حتى نستطيع تغيير العقل العربي و يبتعد كل البعد عن فن الشيطنة المستشري عندنا!
  • »حماس المظلومة (أسيد الذنيبات)

    الأحد 9 آب / أغسطس 2009.
    عندما تساوي بين حماس ودحلان فقد جانبت الانصاف
    تقدم حماس لكل حركات التحرر مثالا حيا في الصدق والأمانة في حب الوطن والدفاع عنه
    انها تعيد لكل عربي ثقته بنفسه
    عدو حماس همالصهاينة والمتصهينون
    وإذا أردت أن تعترض على متصهينين
    فاعلم انه لولا هؤلاء لما ضاعت فلسطين والطابور الخامس ليس ظاهرة تخص الشعب الفلسطيني وانما هي ظاهرة ترافق معظم حركات التحرر وأذكرك بأنطون لحد
  • »شيطنة إبليس (عربي)

    الأحد 9 آب / أغسطس 2009.
    سيدي الدكتور "أحمد".
    أتفق معك أن هناك محاولات للشيطنة الإعلامية. لكن هل إذا وصفنا "إبليس" بأنه شيطان فنكون قد تجنينا عليه و "شيطناه"؟
    إن الفصل بين "الشيطنة" و الموضوعية تكون في الحقائق المطروحة. ولو قرأت مقال صديقك "إبراهيم جابر إبراهيم" الذي نشر بالأمس لتجده مثال على "الشيطنه" لعدم الموضوعية و إجتزاء المعلومات, و التقليل من فظاعة جرائم القيادة الفتحاوية و ترميز و تعصيم "محمود درويش" و تخوين كل من يوجه له نقدا. من الطبيعي أن يختلف البعض مع "عرفات" و "محمود درويش" في الرأي, و قد يصل الخلاف للسجال الإعلامي, لكن ليس من الطبيعي إغتيال "عرفات" و منع "مجمود درويش" من مستحقاته المالية.