ومن الحرف ما قتل

تم نشره في السبت 8 آب / أغسطس 2009. 02:00 صباحاً

 

حديث جلالة الملك الأخير وضع الإعلام ودوره تحت الضوء، وكشف عيوباً شكلت بتراكمها خللاً جوهرياً في أدوات الإعلام ومفهومه والدور الذي يلعبه، وكعادة إعلامنا المهجوس، سارع كثير من الإعلاميين للتأكيد على كلام جلالة الملك، في محاولة لإبعاد الشبهات عن أنفسهم، من دون الحديث بصراحة حول الأسباب الحقيقية التي دفعت الإعلام إلى هذا المربع الصعب من العلاقة مع الدولة الأردنية.

قبل ما يزيد على العام، تحدث جلالة الملك عبد الله الثاني عن الإعلام وضرورة تمتع من يمارسونه بالمهنية وأخلاق المهنة، وظهرت حينها أيضاً مقالات وتحليلات حول أهمية التركيز على المهنية ليقوم الإعلام بالدور المنوط به مهنياً ووطنياً، وتبرع حينها جلالة الملك بمبلغ مليون دينار أردني لنقابة الصحفيين لتدريب الصحافيين ورفع كفاءتهم المهنية، ولكننا لم نرَ أي تحرك جاد وحقيقي بهذا الاتجاه.

خلال آخر عقدين تعرض الإعلام الأردني لصدمات لم يكن جاهزاً لتلقيها، هذه الصدمات التي لم تقتل الإعلام لكنها لم تجعله قوياً، بل أحدثت شروخاً لا يمكن التغاضي عنها، وسببت تشوهات بنيوية في الجسم الإعلامي، وأدت إلى إفراز حالات عديدة شكلت ظواهر إعلامية من دون أن تكون المهنية هي الرافعة الحقيقية لها.

وعلى الطرف الآخر من عمان الغربية كانت ظاهرة أخرى تتشكل بهدوء، وهي ظاهرة الصالونات السياسية، التي بدت كإفراز منطقي ومبرر لضرورات الحراك السياسي الذي افتقد للأحزاب والأيدولوجيات، فالسياسة لا تقبل الفراغ، وأي فراغ في المشهد السياسي لا بد وأن يتم ملؤه، فكانت الصالونات السياسية بتحالفها غير المقدس مع بعض الإعلاميين ووسائل إعلام هي أبرز أدوات التحرك السياسي الذي ملأ الفراغ في المشهد السياسي على المستوى الداخلي.

وبسبب غياب الأسس الواضحة لظهور نجم سياسي أو إعلامي وكذلك لغياب هذا النجم أو تغييبه، صارت أرضية الفرص المتساوية للجميع "بمفهومها السلبي"، أي بعيداً عن معايير واضحة كالقدرة والمعرفة وامتلاك الأدوات الضرورية، مرتعاً لكل من يستطيع الارتقاء إلى مراتب عليا استناداً إلى مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وصار قرب الإعلامي من مسؤول سياسي ـ على رأس عمله أو سابق أو ربما ممن ينتظر دوره السياسي القادم ـ هو المعادلة الحاكمة لظهور الإعلامي وترزقه والترويج للسياسي وطموحه.

هذا المشهد السياسي الإعلامي الفانتازي في الأردن لم يظهر فجأة إلى العلن، بل مر بمراحله المختلفة منذ لحظة الولادة إلى ما وصل إليه حتى الآن، وهو لم يكن يعمل بالخفاء أو تحت الأرض، بل كان يمارس أدواره المختلفة على مرأى أجهزة الدولة المختلفة، والتي لم تكتف بالنظر بل ساهمت في مفاصل معينة في تشكيله وتطوير أدواته.

هذا المشهد المخيف لا بد من وضع نهاية له، ما يعني خوض معركة حقيقية على أرض الواقع مع من يملك مصالح لا يستطيع التنازل عنها إرادياً بل يجب أن يخسرها تماماً، ويوجب على أجهزة الدولة المختلفة إعادة قراءة دورها والتأكيد على مفهوم الدولة الأردنية والفلسفة التي تقوم عليها، كل ذلك لا يعني التغول على الإعلام والعودة خطوات إلى الخلف في مجال الحريات العامة والحريات الصحافية، بل عبر إيجاد آليات حقيقية لإفراز النخب في الأردن، فالعلاج الحقيقي علمياً  ـ كما أراد جلالة الملك ـ لا يعني التعامل مع العارض المرضي بل مع المسبب للمرض.

الحرف يبني أمماً ويهدم أخرى، وكما يمكن للإعلام أن يقوم بدوره المهني المستند إلى الموضوعية، إلا أنه لا يمكن تكميم الأفواه وكسر الأقلام وعطب أزرار الحاسوب إذا ما تجاوز الحدود، وكل المحاولات السابقة والفاشلة لتقزيم الإعلام وتهميشه هي التي خلقت ذلك المسخ الذي نحاربه الآن.  

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الإعلام هو الحل (أحمد الدرويش)

    الأحد 9 آب / أغسطس 2009.
    أوافق الكاتب العزيز رومان حداد في ماقاله حول ضعف الإعلام ليس فقط بالأردن بل وبالوطن العربي أيضا فالسبب الرئيسي الذي يكمن وراء هذا الضعف هو عدم توفر الإمكانيات الماديةوعدم وجود العناصر ذات الكفاءة العالية فيبدأ بعض الإعلاميين بالجري اللاهث وراء تأمين حياة أفضل لهم ولأسرهم ناسين أو متناسين واجبهم المهني الذي يحتم عليهم الدفاع عن قضايا وطنهم بالقلم الذي يعتبر بمثابة السلاح في زمن الحرب فعلى جميع الإعلاميين الوقوف صفا واحدا في وجه مايحاك على البلد من مؤامرات ودسائس سواء من الخارج أو من الداخل وأن يحفزوا أبناء البلد على النهوض في وجه أي مارق يحاول التخريب أو التشويش لأنه في الأول والأخير لاسبيل لدينا في تعميق لحمتنا الوطنية سوى تطوير إعلامنا الذي هو دائما مفتاح الحل
  • »تحليل منطقي (zakariya abu-sharif)

    السبت 8 آب / أغسطس 2009.
    تحليل منطقي يضع النقاط على الحروف،نتمنى ان نرى دائما تحليلاتك السياسية بالغد.
  • »كلمات من ذهب .. يا اخ حداد (ناصر عبييدات)

    السبت 8 آب / أغسطس 2009.
    يقول المثل الشلافطي ( من اعطاك حبل كتفه به !)
    احيانا تساهل الدوله مع بعض الاقلام التي تقول عدة كلمات جميله
    لتمرر كلمه مشبوهه واحده ..
    المهم هو الحرص على ثوابت اساسيه
    في اللمارسات السياسيه والصحفيه
    فهناك القليل ولخدمة اجندات خاصه
    وغير اردنيه امنت العقوبه فاساءت
    الادب وهذا مالزم التنويه له لان
    الدوله يجب ان لا تسكت عن استحياء
    وبلعة ريق اولئك الذين يذبحون
    جملا لاجل عشا واوي ..!!

    اتمنى لك التوفيق