موفق ملكاوي

خرائط وهمية

تم نشره في الخميس 6 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

 

في كل ليلة يستفتح حظه معها.

يقرأ ما تيسر من سيرة قصيرة كتباها فوق صفحة نهر صاخب مستمر التدفق، يسمى الحياة، فضاعت الكتابة إلى الأبد.

في كل ليلة يستفتح حظه معها؛ يرمي النرد على طاولة خضراء، علّ الفأل الحسن يجلب حياة غير منظورة تليق بما تبقى لهما من أمنيات قليلة زرعاها في ساحات عمر مستأجرة، وآيلة للاسترداد في أيّ لحظة.

في كل ليلة يرسم على الحائط شبابيك بوح سريّة، لا تفتح إلا لهما، يزينها بما يشتهي من خرائط رسماها على عجل، ليقولا إن "الأمور على أفضل ما يكون".

دائما صدّقا أن الخرائط السياسية كاذبة، ولكنهما كانا ساذجين إلى القدر الذي صدقا فيه أن خرائط العشاق لا تكذب أبدا!

في كل ليلة يفتح بابا على أوهام عديدة: يشاهد ما تيسر له من سيرة قصيرة جدا تختزلها كتابة على كفّ مراهقة أشعلت لياليها ريح أيلول، فما باحت بشيء مهم، سوى همهمة مبهمة، ودندنة لأغنية لم يجدها فيما اختاره من مقطوعات ليلية.

في كل ليلة يستفتح حظه معها؛ ويقرر أن العرافات "بنات حلال"، فلا بأس من أن يدق باب إحداهن طالبا جوابا مرئيا لما يحتويه صندوق حياته المبهم.

غير أنه يقول إن الكلام الذي ينبغي أن يقال يظل على حاله مجهولا، وغير قابل للبوح إلا فيما ينتظرانه من عمر لا يجيء، وأن اللقاء مؤجل كما هي عادة الأشياء في حدوثها غير التلقائي، فلا حاجة بلقاء يرتبانه ليخلفاه عن سابق تصميم وترصد، كجريمة مريحة يقترفانها بعد تمحيص طويل، وبعيدا عن أعين الرقباء.. وبراحة بال غير مألوفة.

سيقول إن الكلام أقل مما أعدّه لحدث كهذا، وإن القلب يفيض بمفردات رتَّبها حسب الأهمية، ولكنه عمد إلى شطبها كلها من قاموس كان يحتفظ به لمناسبات تأتي بمصادفات مرتبة مسبقا.

سيقول إن الأفعال تحدث وقعا أشدّ مما تأتي به الأقوال، وإن الحياة سائرة إلى نهاية معادلة معلومة الحواشي، ولكنها تخون مُسلّمات الرياضيين بتساوٍ حتمي يتحقق في جهتين متقابلتين.

معادلاتهما ستخون حتى الحقائق العلمية!

لم يكن يدري أن تجديفا في الحياة، ومع التيار حتى، يحتاج إلى أكثر من رغبات مترددة، وذراعين، خالهما، من حديد.

لم يعلم أن كنه السعادة مجهول كحرز خرافي ضد الحزن، وإلا كيف يفسر انجذابا أصيلا للتفتيش عن هِنات اقترفاها، ليخاصما، ويقسوا.. ثم يأتي الجفاء.

سيسأل نفسه عن لحظات صغيرة ضيعاها باللغو مع غيرهما، وعن ضحكات اقترفاها، ولم تنسكب لهما بالذات، وعن سهر مرٍّ لم يكن يخصهما..

سيسألان نفسيهما عن قمصان جديدة ارتدياها، وعن سهو ألمّ بهما من غير أن يكونا هما المقصودين في البداية، والمنتصف.. وفي النهاية.

ماذا يفيد التأسي الآن وقد امتلأت بحيرة العمر بضفادع مزعجة لا تدلّ على شيء!

مجرد ضفادع ببشرة جرداء، وتخطئ دائما في القفزة التالية.

Mwaffaq.malkawi@alghad.jo

التعليق