إبراهيم غرايبة

الناس الذين لا يخصخصون

تم نشره في الاثنين 3 آب / أغسطس 2009. 02:00 صباحاً

 

شركة الميناء تريد الميناء بلا عمال، والمناطق المؤهلة تريد مصانع بلا عمال، ومستثمرو المنتجعات يريدون شواطئ وغابات بلا ناس، والشركات الزراعية لا تريد المزارعين، وشركات الاستثمار الطبي تريد أن تحضر معها أطباءها وممرضيها وفنييها، كأننا شعب لا لزوم له، نشكل عقبة أمام الاستثمار، أكّالون نكّارون.

كيف سيفد علينا المستثمرون ونحن نتبجح بقوانين العمل والسلامة وحق التعويض والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي والحد الأدنى من الأجور وساعات العمل والنقابات العمالية والمهنية وسيادة القضاء والمحاكم على الشركات والعقود والمشكلات.

وفي الوقت نفسه يستطيع المستثمرون أن يحضروا عمالا وأطباء وخبراء ومستشارين وراقصات من الهند ونيبال بربع الأجور وبلا مطلب آخر، لا يشكون ولا يبكون، ليسوا أعضاء في نقابات، يعملون ليل نهار ويقومون بكل ما يطلب منهم. الأردنيون من وجهة نظر الشركات والمتحالفين معها متبجحون مدّعون يريدون أن يشاركوا المستثمرين رزقتهم، تتطاول مناخيرهم، كيف سنشجع الاستثمار مع وجود مثل هذا الشعب؟

كيف سيتقدم الاقتصاد بوجود قوانين وتشريعات تنظم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل؟ كيف سينظم السوق نفسه بحرية وعقود الإيجار تمنع طرد السكان من بيوتهم؟ كيف سيكون هناك ديمقراطية وإصلاح وهيكلة باتجاهين، أحدهما يسمح باسناد الخدمات والأعمال للشركات وأحدهما يتيح المجال للتنافس والتجمع وتعدد الخيارات؟

نحن الناس الوحيدون في هذا الكوكب الذين ندفع الضرائب لخدمة الشركات والغرباء والأغنياء، نحن البلد الوحيد الذي يتمتع فيه الأغنياء والأجانب بالاعفاءات والتبرعات أيضا ويتحمل الفقراء نفقات الدولة والخدمات!

في إفريقيا تتسلط الشركات الأجنبية ووكلاؤها المحليون على البلاد، ولكن الناس على الأقل لا يدفعون الضرائب، ولا يقدمون التبرعات والهبات والخدمات المجانية للأجانب والأغنياء، وفي الدول التي نستورد منها اقتصاد السوق والليبرالية تتسلط الشركات، ولكن يتاح للناس أن تتجمع وتدافع عن نفسها وتوزع الضرائب لصالح مستحقيها، وليس للأغنياء والشركات!

بصراحة، وبساطة، نحن نطبق الخصخصة بطريقة طالبانية وكأنها عقيدة من السماء، يصعب التمييز بين التطرف والعنف لحماية شركة أجنبية أو محلية تختلف مع عمالها وبين التطرف والعنف لأجل تطبيق ما يعتقد أصحابه أنه الشريعة الإسلامية أو أمر السماء.

لا بأس ببيع الموانئ والغابات والأراضي والشركات والمدارس والمستشفيات، ولكن لماذا نزج بالشرطة والدرك في خلاف بين شركة وعمالها؟ ولماذا ننحاز إلى الشركات وليس إلى الناس الذين يدفعون رواتب رجال الشرطة؟

أخشى أن الإعلام الخارجي يعتقد أن الشركات هي التي تدفع للشرطة، وليس الناس الغلابى والمواطنون، نحن ندفع للشرطة لتضربنا وتلقي بنا من السيارات وتقتحم على المرضى المستشفيات، يا لها من لعبة مسلية وممتعة!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أحسنت يا سيد ابراهيم (عامل مهني)

    الاثنين 3 آب / أغسطس 2009.
    أشعر بأنك بدأت تكتب بصراحه وتقف مع العمال المسحوقين في كل شركات الوطن ،وارجو منك أن تكتب عن شركة توليد الكهرباء المركزية وماحدث فيها من فصل(4) عمال ابرياء وكذلك لقصل أكثر من 400 موظف قريبا أرجوا التحقيق في هذا الملف الهام لانه سيسبب مشكلة وطنية .بكل أسف الحكومة تقف مع الشركات الاجنبية ضد المواطن .
  • »مواطنة غير اردنية (بنت القدس)

    الاثنين 3 آب / أغسطس 2009.
    بصراحة وبساطة كما تفضلت يا استاذابراهيم ما اقراه عن احوال البلد والمواطن الاردنى فى الاردن يدمى قلبى ويشعرنى بالحزن والكابة...كيف وصلنا الى هذا الحال ؟؟واين الخلل؟؟فى بلد ديمقراطى وعريق مثل الاردن الذى افتخر به هنا فى فلسطين..لا يوجد عندى مجال للشك بان التغيير يجب ان يكون للافضل ولمصلحة الفرد لان هذا الفرد هو اللبنة الاولى فى بناء المجتمع القوى والمتماسك؟؟حقيقة لا ادرى ماذا اقول ..ولكننى اشعر بالضيق والاسف عندما ارى بان المواطن الاردنى بات غير مرغوب به فى وطنه ليحل محله العامل الاجنبى لانه الارخص ثمنا ....اين الخلل؟؟
  • »الشعب هو من يعيل الحكومة، لا العكس، ولذلك فالأمر له (سالم)

    الاثنين 3 آب / أغسطس 2009.
    ولا فض فوك ولا انقطعت بنات فكرك! فلو أن ألأردنيين يعون ما تقول ويعملون به لاخضرت المروج وكثرت الغلال وتحابت النفوس وأشرقت العقول. أن فكرك لهو الفكر الرابط بين جزئيات الحياة اليومية للإنسان العادي ومنظومة الحوكمة العامة للمجتمع، في سياق من الفهم للعالم من حوالينا. ومادام الشعب لا يعيي أنه هو من يعيل الحكومة لا العكس، فلا عكس لأحوالنا المرضية والمميتة. والعقل هو المستعان على ما يصفون وسلام على العقلانيين.