"أحلى من العسل مُرَّك"!

تم نشره في الجمعة 31 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 

السبب المباشر الذي أدّى إلى تفاعل ذكرياته "الكبيرة"، استند إلى أمر بالغ الصغر، تمثل بأن سيارته تفتقر إلى تكييف مثالي، ما يضطره إلى  فتح الشبابيك في الصيف القائظ، وهو أمر يسبب له حرجا شديدا، خصوصا عندما تكون صديقته إلى جانبه؛ ولأن صوته عال، فكثيرا ما استرق المارة أو المصطفون بسياراتهم عند الإشارة إلى حديثه الصاخب دائما!

لكن  السبب المباشر، وبالغ الصغر الذي استفز ذاكرته لأيام على نحو مَرَضي..، أن من جملة الأمور المزعجة من تكييف سيارته المفتقد، أنه حين يستمع إلى أغنية يُسمعها إلى كل من يمر في طريقه، إذ إن له طريقة غريبة في الاستماع إلى الأغاني، فلفترة طويلة يستمع إلى أغنية محددة، ما إن تنتهي حتى يتحرك إصبعه تلقائيا إلى "كبسة الرجوع"..، فتبدأ الأغنية من جديد لمنْ فاته الاستماع في "المرات" الأولى!

ولأمر مرتبط بـ "صدمة عاطفية" شديدة، ابتاع شريط كاسيت يضم "عبرت الشط". والأغنية بالغة القدم، ومر عليها بالتحديد عشرون عاما، ورغم أجواء التضحية والفداء في كلمات الأغنية التي يستهلها موّال طاعن في الألم، إلا أنه راح ينسحب من أجواء صدمته، بمراقبة صدمات "طريفة" راحت تتشكل على وجوه منْ استمعوا إلى الأغنية عند وقوفهم الاضطراري قربه، أمام الإشارة أو أثناء أزمة سير مقيمة!

راح يقرأ ردود الأفعال. شابان، فتى وفتاة، أبديا قرفهما، وكان ينطلق من سيارتهما رتم غربي هادئ، واثنان آخران أكبر منهما أثار الأمر فضولهما، فاسترقا السمع أكثر، وهما يستحثان ذاكرتهما، والمغني يجرحُ صوته مستجديا المحبوب بعبارته: "أحلى من العسل مُرّك"، ولم يفطنا إلى مطلعها واسمها، حتى فاض ألم المغني، وأعاد الغناء من جديد، بإيعاز إصبع السائق الرقيق!

سيدة أربعينية، بـ "كامل مشمشها"، تركب جيبا فارها، نظرتْ إليه من علٍ. ضبطتْ خطوات الدواليب الغليظة عند السيارة التي يتدفق منها الألم مترقرقا على إيقاع "الدبُّك" العراقي الشهير. فاض "الجيب" عن حجم السيارة التي عبَرَتْ الشط ولم تغرق (!). ولما انفرجت أزمة السير قليلا عبرتْ الأربعينية أمامه، وهو يتحسس رأسه؛ إذ كان المغني يقول "..وخليتك على راسي"!!

تلذذ بالتقاط ردود الأفعال تلك، لكنه لم يكن يعرف أن الأمور ستتطور أكثر، وتهيج ذكريات أخرى، له وللآخرين، ففي إيابه مساء وكاظم الساهر منفعل ويحاجج محبوبته أن "مُر عيوني بعيونك"، توقفت بجانب الصوت سيارة بنمرة عراقية يقودها رجل في الخمسين وبجانبه زوجته على الأغلب. كانا يتحدثان لكنهما قطعا الحديث وأخذ كل منهما ينظر باتجاه، ومجريات ثقيلة بالكاد حركتْ رأسيهما باتجاه بعضهما والصوت يتلاشى، تاركا بأثره رائحة "الشط"!

بيد أن قدرا محكم التفاصيل جعل السيارة الحاملة رائحة الشط تتوقف عند سيارة أخرى بنمرة كويتية!

.. ولقد كان الشاب طفلا في العاشرة يشاهد بانبهار مغنيا شابا بشعر رأس كثيف على تلفزيون الكويت. تسأله المذيعة عن قصة الأغنية، فيسرد لها كيف أن شاعرها، عزيز الرسام، شاهد امرأة تخاطر وتعبر شطا طارئا تشكل من فيضان كبير في "البصرة"، وتنقذ طفلا هائما على طبقة المياه القذرة وتضعه على رأسها وتعود به إلى الرصيف!

و"عبَرَ" صدام حسين الكويت، و"على مود" آخر عبَرَتْ قوات التحالف الكويت أيضا. وكان الطفل يشاهد الأغنية مرات كثيرة على التلفزيون العراقي أثناء "عبور صدام"، حتى عندما بدأت الحرب وانقطعتْ الكهرباء كان يستمع إلى موسيقى الأغنية؛ فكان مضاد الطائرات المثبت على أسطح العمارات السكنية غريبا؛ لم يسقط حمامة، والأشد غرابة أنه يحيل مستمعه إلى إيقاع "الدبُّك" في "عبرت الشط"!

يذهب الطفل مع والده إلى منزل صديقه الكويتي، ويرى قرب الباب صندوقا كرتونيا مليئا بمجلات مهملة تعلوها طبقة غير مكتملة من أشرطة كاسيت لمغن رأسه كثيف الشعر..؛ إذ كانت الحرب قد اشتعلت وما عاد يمكنُ إطفاؤها بماء الشط كله!

لكن سائق السيارة ذا النمرة الكويتية ابتسم، وسائق السيارة الحاملة رائحة الشط أيضا ابتسم و"عبر" الإشارة وكانت صديقته تنتظره، وعلا صوتهما بخلاف حاد. وأراد أن يطفئه فانطلقت الأغنية، وقال لها: دعي الزمن يمضي، علّ المُر يصير أحلى من العسل!!

Nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحياة حلوة (بثينه الهباهبه)

    الجمعة 31 تموز / يوليو 2009.
    يوقظنا نادر رنتسي صباحا بأغنية تطرق باب الذكريات , ويأخذنا معه في رحله سائق سيارة صاحب رائحة الشط .....تلذذ بالتقاط تفاعلات المحيطين بالأغنية العراقية التي يواصل سماعها برتابه فانهالت علية ذكريات الماضي عبر الأغنية الفواحة من سيارته وأثارت حوله مواقف ممتعة وأخرى مفزعة ...

    الأغنية كما التقطها انا تعكس لعنة الاحباط وخيبة الأمل التي تلاحق العراقيين والتي تلخصها نهاية الأغنية المرة والموجعة " عمر وعيوني بعيونك وانت عيونك لغيري.. فضلتك على روحي وضاع وياك تقديري" .
    حاول سائق السيارة صاحب رائحة الشط ...التمسك بالاغنية وبالرائحة....
    تمسك بتجاوز كل الإحباط وخيبات الأمل العاطفية والسياسية واكتفى بعبارة " أحلى من العسل مرك" من الأغنية استشرافا بمستقبلاً عساه يكون سعيد ... وها هو يبحث عن نهايات تقول لا مفر من ان اكون متفائلا حتى أواصل الحياة, ويطفىء الغضب ويضع نهايات سعيدة أستجمع فيها قوى خارت في لحظات تيه وضياع بخيبات الامل التي نرسمها بأنفسنا بأمنيات وتوقعات كبيرة في الحياة.
    تحمل الحياة التناقضات. .. الحلو و المر ... سائقنا لم توقفه أبدا الأشياء الصغيره والأحداث المريرة فهو مقتنع ان وصفته السحرية وقلبه النابض بالحب سيجعل الحياة تمضي وهو مطمئن انها قد تصبح حلوة.
  • »العسل والمرار (bailasan)

    الجمعة 31 تموز / يوليو 2009.
    أحيانا يا عزيزي قد لا يكفي عسل الدنيا كله ليحيل بعض مرارنا حلواً.. لأن هؤلاء الذي حلوا مرار حياتنا يوما، هم ذاتهم الذين أحالوا حلوها مرار.. لا يمكن لأي عسلٍ تحليته...
    يبدو أنني أخرف....
    سلم هذا القلم ...