أدوات غير منهجية لقياس التوتر في الشارع الأردني

تم نشره في السبت 25 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

التغيير صار مطلباً عاماً، ودائما ثمة بوادر تغيير لا تنضج ولا تكتمل فلا يقطف ثمارها

لا أملك شخصياً أداة علمية أو وسيلة موثوقاً بها لقياس درجة توتر الشارع الأردني وتوصيف حالته بوضوح، إلا أن ذلك لا يمنعني من القول بوجود مؤشرات لارتفاع منسوب التوتر ووجود بؤر احتقان صارت واضحة للعيان، وصارت هذه البؤر مناطق حمراء متعارفا عليها يمكن تفريغ التوتر فيها بأقل نسبة من الأضرار، على أن يعد ذلك من قبيل الخروج عن المألوف أو عن المعادلة الاجتماعية، بحيث يتم التعامل معه على أنه حادث فردي وليس حالة مجتمعية يجب التوقف عندها لبحث أسبابها وسلسلة النتائج التي تحدثها.

ربما ليس هناك رابط واضح بين حالة انتحار تاجر في الزرقاء أمام أعين أطفاله الذين استجدوه كي يبقى حياً طوال خمس ساعات لكنه قرر مسبقاً أن يغادر الحياة، والشعارات غير الرياضية التي احتلت المدرجات في مباراة الفيصلي والوحدات، وحالات العنف المتكررة على النساء التي تصل حد القتل، وحالات العنف الجامعي، وحالات العنف ضد الأطباء، وغيرها من الحالات التي تظهر وتختفي بين حين و آخر، إلا أن تسارع تفشي هذه الظواهر في مجتمعنا حتى صارت إحدى مفردات حياتنا اليومية أمر يثير القلق و السؤال في آن معاً، القلق من الأسباب غير الظاهرة التي تسبب هذه الحالات، والسؤال حول ماإذا كانت هذه الحالات مؤشراً لما هو مقبل من الأيام.

  فتحول مجتمع ما من مرحلة التعاطي مع قضاياه اليومية بصورة سلمية إلى مجتمع يجد أن استخدام العنف اللفظي أو الجسدي تجاه الذات أو الآخر هو السبيل لحل قضاياه العالقة والتعامل معها يعني أن هذا المجتمع يمر بأزمة ما، ويرى أن الأسلوب السلمي التقليدي لا يمكن أن يوصله إلى حل ولا يعبر عنه ولا يحمل الرسالة التي يود إيصالها.

تشير دراسة سابقة لمركز الدراسات الاستراتيجية أن ما يقارب 80% من الأردنيين لا يعبرون عن آرائهم ونقدهم في القضايا العامة وقضايا تتعلق بالحكومة بصراحة. بمعنى أن أربعة أردنيين من كل خمسة يفضلون أن يعبروا بصورة تخالف قناعاتهم أو السكوت كأضعف الإيمان إذا تعلق الأمر بقضايا الشأن العام أو أمر يتعلق بالحكومة.

إلا أن "التعبير" المقصود في الدراسة كما فهمته أنا هو التعبير عن الرأي حين  السؤال عن قضية ما، ولكن هذا لايمنع أبداً أن  الشخص ذاته الذي يرفض التعبير الصريح عن موقفه تجاه قضايا معينة سيمرر موقفه لأولاده داخل جدران المنزل عبر تعليقات قصيرة أو بصورة واضحة، فعدم الثقة بالمسؤولين الحكوميين و النواب مرده إلى أن الأردنيين بأحاديثهم البيتية على الأقل يرون أن الفساد يسكن كراسي أصحاب المناصب العليا، وأن محاربة الفساد التي تعلن عنها الحكومات المتعاقبة لا تحقق نتيجة حقيقية، وهي ليست أكثر من ذر الرماد في العيون، سيذهب ضحيتها موظف صغير اضطر أن ينحرف عن الطريق لإطعام أولاده أو سد حاجاتهم التي لا يسدها راتبه المتواضع المتآكل، أو مسؤول سقط في فخ تصفية الحسابات وكان هو الحلقة الأضعف فكشف فساده.

كما أن الأمال المتكررة بحدوث تغيير ملموس على مفردات الحياة اليومية أصاب الأردنيين في مقتل، فالتغيير صار مطلباً عاماً، ودائما ثمة بوادر تغيير لا تنضج ولا تكتمل فلا يقطف ثمارها، ليعود الأردنيون ويدخلوا مرحلة أمل جديد بالتغيير المنشود ضمن حلقة مفرغة.

ولا يمكن لنا ألا نقرأ الخوف من المقبل فيما يتعلق بالحل النهائي للقضية الفلسطينية وأثر ذلك على الأردنيين من مختلف مشاربهم، والسبب هنا ليس وعياً سياسياً لمواجهة المشروع الإسرائيلي كما يحب عدد لا بأس به من النخبة الأردنية تصويره، بل السبب الحقيقي في ذلك ـ كما أراه ـ هو لقمة العيش، فالمجتمعات البشرية على مختلف درجات تطورها يحتل "الأمان" رأس سلم الأولويات، فالأمن الاجتماعي والأمن الغذائي والأمن الاقتصادي هي ثلاثة عوامل حاسمة تحدد توجه أي مجتمع نحو أية قضية مطروحة عليه، ويبدو أنها هي السبب بوجود حالات من التوتر بين الأردنيين من مختلف مشاربهم، ولم تستطع الحكومات المتعاقبة  طمأنة الأردنيين وتقديم الإجابات المقنعة لتهدئة مخاوفهم من خلخلة عوامل الأمان التي يطمئن لها المجتمع.

حين تفقد أية وسيلة قياس علمي قدرتها على قياس حالات معينة وإظهار مؤشرات ذات مصداقية يمكن الركون إليها تصبح الوسيلة غير علمية بالنسبة لهذه الحالات، وعلينا إيجاد أدوات قياس جديدة تساعدنا على قراءة مخاوف وهواجس المجتمع، ولتساعدنا في  الوقت ذاته على قراءة الروابط الظاهرة، والأهم الروابط الخفية، بين الحالات العنفية التي صارت حدثاً يومياً معتاداً في الفترة الأخيرة، وحتى نجد تلك الوسيلة أو الوسائل نلوذ بأدواتنا الفطرية، كالحدس، التي يمكن لها أن تعطي مؤشرات تساعد على قراءة الحالات، وإن لا توفر أدوات مباشرة للحل.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »توتر ام انفجار؟ (A.Z)

    السبت 25 تموز / يوليو 2009.
    اذا كنا نحن الأردنييون الستة مليون لا نستطيع ان نتعايش مع واقعنا فكيف بالآخوة المصرييون السبعون مليون؟؟
    هل بمقدور المواطن ان يتحمل كل الأعباء المطلوبة منه بمرتب زهيد؟؟ ولا زالت الزيادة مستمرة في اسعار اللحوم والأجبان وغيرها واعباء الاقساط فاعتقد ان كلمة توتر هي تعبير صغير عما يعاني منه المواطن فحالته اشبه بالانفجار!