محمد برهومة

الانتخابات في ظلِ مجتمع معطَّل ليستْ تعويذةً

تم نشره في الجمعة 24 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

 

ليس حال الموريتانيين أو الإيرانيين أو الفلسطينيين... بعد الانتخابات التي جرت في هذه البلدان بأفضل مما كانت قبل الانتخابات. الانتخابات كشفت مأزقهم (ولم تنتجه) بدلا من أن تكون وسيلة فاعلة لحله وتجاوزه وتسويته.

إن مآل الانتخابات إلى مأزق في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية من حالة اجتماعية وسياسية واقتصادية إلى حالة أخرى، غدت ظاهرة مكتملة العناصر والأجزاء؛ لكثرة الشواهد والأمثلة والدلائل التي تؤكدها وتلفت إلى تكرارها منذ زمن ليس قصيرا.

فحين تكون حدود الدولة والمجتمع والسلطات والعلاقة التي تحكم العام بالخاص تتكئ على تقاليد وأعراف راسخة ومتراكمة وتحظى بالقبول والإجماعات الوطنية، وتاليا بالاستقرار، تكون، والحال هكذا، الانتخابات والاستفتاءات العامة مجالا لاحتكامات حرّة ونزيهة وتحظى بقبول الناس، وتخضع لكلمتهم وصوتهم، وتنال الرضا والاطمئنان. هنا الانتخابات أداة سلمية راقية وإطار قانوني منظّم لمعالجة الاحتقانات والاختلافات والتنازع على النفوذ والسلطة والحكم وتمثيل الأغلبية وصيانة حقوق الأقلية ومكتسباتها، وإعطائها كامل الفرصة في التمكن من احتمالات أن تصبح أغلبية تحكم.

أما في الدول والمجتمعات التي تعاني خللا بنيويا في علاقة المجتمع بالدولة، وفي استحالة الدولة سلطة، وفي صيرورة المجتمع جماعات وعصبيات؛ لهشاشة رابطة المواطنة وضعف تمكّن القانون وصون الحريات، فإن احتمالات أن تكون الانتخابات مأزقا وسببا في مزيد من الإشكالات والانشقاقات والانقسامات فيها، هي احتمالات وفيرة وليست نادرة الحدوث. وموريتانيا وإيران آخر الأمثلة على تحوّل الانتخابات إلى بوابة لمزيد من الانقسام السياسي والتفكيك الاجتماعي وتوسيع رقعة الخلل.

الناخب في ظل حالة غير سوية كهذه معرّض لمطرقة التزوير أو سندان سوء الاختيار. و"سوء اختيار الناخبين" مردّه أساسا إلى سياسات الحكومات غير القائمة على تعزيز قيم المواطنة والمساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص بين المواطنين، والسعي الصادق لتلبية احتياجاتهم المتعددة. وفي ظل "الثقافة المَرضية" وغير الديمقراطية التي تنتشر في المجتمع بسبب السياسات البائسة لأهل السلطة، وفي ظل قوانين انتخابية سيئة، من الطبيعي أن يسيء الناخب الاختيار؛ لأن ثقافته السياسية نتاج ثقافة غير ديمقراطية تروّجها السلطة وتبثها في المجتمع.

وما لم تقم قوى سياسية واجتماعية تسعى للتغيير الإيجابي ونشر ثقافة سياسية صحية، فستبقى الانتخابات تعيد إنتاج الواقع الاجتماعي والسياسي المهترئ، ولن تكون تعويذة لتجاوزه.

 

حدث هذا (كما قلت في مقال سابق) في انتخابات العراق 2005، حيث ألقت الأجواء الطائفية والاحتقانات المذهبية وتصفية الحسابات التاريخية بظلالها الثقيلة على الانتخابات، التي مأسستْ نتائجها للواقع الطائفي المريض الذي طفا على السطح جليا عقب انهيار نظام صدام حسين. ولو استدعينا أمثلة أخرى (الانتخابات الفلسطينية عام 2006، والانتخابات الرئاسية في كينيا عام 2007، وانتخابات البوسنة منتصف التسعينيات من القرن الماضي ...) لأدركنا كيف تكون الانتخابات مأزقا ومتى. ولأدركنا كذلك، أن الانتخابات كأداة حضارية لمنع الجور والاستبداد لا تفعل فعلها إذا كان المجتمع معطّلا، أيْ لا الأحزاب مؤسسات حقيقية فاعلة ولا النقابات والاتحادات وهيئات المجتمع المدني قادرة على ترسيخ القانون ومحاربة الفساد والمراقبة والمحاسبة، ولا الجامعات ووسائل الإعلام محاضن للمعرفة المستنيرة والدفاع عن الحريات والحيلولة دون اختطاف السلطات للمجال العام وإفراغ من يعملون في العمل العام من صلاحياتهم وسلطتهم.

في تجربة دول أوروبا الشرقية درس مهم ومفيد للغاية ملخصه: أن المجتمعات التي كانت منضوية تحت لواء الكتلة الشرقية قبل سقوط الشيوعية فيها وتحررها من الاستبداد كانت مجتمعات حيّة وغير معطّلة ولديها استعداد قوي للدفاع عن حقوقها وحرياتها، وقوتها هذه هي التي أضعفت تلك الأنظمة المستبدة، فكانت للديمقراطية فيها أرض خصبة، وكان انتقالها باتجاه الحريات وسيادة القانون سلسا وسهلا، وفي ظل هذه الظروف كانت الانتخابات حدثا تاريخيا فصل بين مرحلتين وتاريخين.

الحكم الرشيد ليس من تتوافر فيه الانتخابات فقط، بل إلى جانب ذلك هو الحكم الذي يصون الحريات المدنية والدينية، ويسود فيه القانون، وتكافؤ الفرص، ويسعى لتوزيع عادل للثروة، وفيه كلمة المواطن تعني أنك محترم في بلدك وتنال حقوقك وأنّ كل الأولويات تدور من أجل حمايتك وتوفير الكرامة والعيش الكريم لك.

 mohammad.barhumeh@alghad.jo

التعليق