نادر رنتيسي

شرف جريمة!

تم نشره في الجمعة 24 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

رمتْ "طابة" القماش جانبا، وغادرتْ مرمى فارغا، تم تأطيره بوسادتين رخوتين، بعد أن ضجرتْ من لعبة "الأولاد". قالت لأخيها:"أنت تضرب وأنا أعجز عن الصد، ودائما تسجلُ الأهداف"!

جلستْ مقرفصة لصق الحائط، منتظرة أن يبادرَ الأخ لاقتراح لعبة "بنّاتية". ولأنه أهملَ إرضاءها، وواصلَ تسديد "طابة" القماش إلى المرمى الخالي، فقد بادرتْ لاقتراح لعبة. مشتْ نحوه تشبك أصابعها الرقيقة كأنما تخشى أن يتسرّب الاقتراح. ولمّا بلغته فتحتْ كفيها، وهتفت: "تعال نلعب ناس وناس"!

كانت تنوي أن تضحك لكن صفعة طريّة، غير متقنة، لم تملأ خدها، باغتتها وأعادتها إلى الحائط، وجرى وراءها صراخ أخيها:" نحن أخوان ولا يجوز أن نلعب أدوار أزواج"!!

لم تفهم ماذا قصد تحديدا، لكنها شعرت أنها اقترحت شيئا غبيا، لا بل إنه حرام وقد يبقى مسجلا في دفترها حتى يوم القيامة، لذلك لم تبكِ ولم تظهر لأخيها أنها غضبتْ. استجابت لدعوة الأم أن يكفا عن اقتراح الألعاب، ويفتحا التلفاز..توقفت يد الأم بالمؤشر عند صوت صاخب لجمهور ضاحك، وكان في إطار التلفاز "سعيد صالح" في مسرحية "العيال كبرت"، فصاح الولد بأمه أن تبقي عليه، وأثنت البنت على اختياره، ضاحكة بضحك الجمهور! 

كان "سعيد صالح" يدور على المسرح هائجا، بعد أنْ أخبرته أخته أنها نجحت في اختبارات النجوم وستصبح راقصة، فقدم فاصلا كوميديا أدمع عيون الطفلين وهما يتضاحكان. لكن في اللحظة التي هتف فيها الممثل": الشرف يا بنت الكلب"! ثم اختلطت كلمات لم تقدمهما إلى الضحك، حتى بلغ المشهد الذروة، وكان صوت "سعيد صالح" مسترخيا وهو يقول بمخارج حروف واضحة تماما:" ناولني البنْدُقة يا هريدي"!! 

ذهبَ الأخ إلى حجرة والديه، وبقيتْ الأخت أمام  التلفاز تضحك على ما لا تدركه تماما، حتى عاد حاملا مشجب ملابس خشبيا بهيئة مثلث، ودعا أخته إلى لعبة جديدة. قال:"أنا هريدي" وصوّب المشجب نحو قلبها، وقال "أنتِ، أنتِ" تردد برهة، ثم هتف:" أخت الممثل"، وراحَ يروي لها السيناريو، بخيال متسع، كيف يدخل عليها ويصفعها ثم يستل "البندقية" من تحت المخدة ويصوِّبها نحوها. لكن الأخت تعترض وتريد سببا مقنعا لقتلها. ولا يبتعد الأخ كثيرا في اجتهاده، يخبرها أنه يقتلها بعد أن جلبتْ له العار برقصها. وتستمر الطفلة بالمجادلة وتؤكد له أنها لا تتقنُ الرقص، فيطلبُ منها أن تفعل مثلما فعلت أمها في عرس خالهما الأسبوع الماضي. تستجيبُ وتصعد إلى الطاولة وتعطي ظهرها، وهو يرتجف أو يهتز، لأخيها فيصوّب المشجب الخشبي، ويطلق من فمه صوت رشاش!

كبُرا سريعا، الأخ لم يعد بمقدوره أنْ يُسجلَ الأهدافَ في ملعب الحي، حيث المرمى ليس خاليا، بل إنه قليلا ما يستطيع الاحتفاظ بـ "طابة" الجلد كثيرا، وغالبا ما يخسرها قبل أن تبلغه. والأخت كان لها حياة البنات العادية، ودفتر ملوّن تدوّن عليه شعرا مختصرا لنزار قباني تنسخه من صفحة التسالي في صحيفة الفضائح وسرد الشرف قبل الجريمة، التي تقرؤها خلسة، كما تلصق عليه صور "وائل كفوري" و"طوني حدشيتي"، بعد أن نزعها أخوها من الحائط الذي أفرده لصور "محمد عبده"!

كبرا أكثر، وراح الأخ يخسرُ النساء، ولم تجْدِ الرسائل التي كانت تكتبها له أخته مستعينة بأشعار مختصرة، بعد أن مزق أخوها ديوان "أشهد أن لا امرأة إلا أنت" لغلافه "الفاحش" الذي يظهر رسما لامرأة عارية الصدر..

تزوّجَ الأخ، ولم تحسن الأخت الرقص في عرسه، كل ما فعلته أنها صعدتْ إلى الطاولة، وأعطته ظهرها مطمئنة، وعادت لحياتها وصار بإمكانها أن تلصق صور "تامر حسني" و"محمد حماقي" على جدار لا يشاركها أحد فيه.

كبرتْ الأخت ولم تتزوج. أحبها شاب أرسل لها أكثر من مرة بريدا الكترونيا يتضمن أغنية "مذهلة"، وحين صدّقتْ أنها كذلك استجابت لموعد لم يتكرر ثانية، فقد باغتها أخوها. فتح الخزانة ورمى أكثر من مشجب خشبي قبل أنْ يخرجَ بندقيته...! 

لم تر وجهه كانت موليّة ظهرها، فلم يتسن لها أن تعترض وتطلب مبررا للقتل، بل إنها لم تكن تعرف أن الأمر بهذه الجدية انتظرت أن يطلب منها أن تصعد إلى الطاولة وترقص وتنتقص من شرفها وتمنحه لجريمته..، لكنه لم يفعل سوى أن أطلق النار وفمه مطبق!              

Nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا نستطيع التعميم (سعد العورتاني)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    اشكر الكاتب على هذا المقال الجميل واعتقد ما كتبه واقعيا وكنه ما ندر ان يكون

    واقول الى جوليانه
    والله ما بعرف اذا كتب باسولوب معقد تقلون شو هاد مو فاهمين شي
    واذ استخدم اسلوب يستطيع المثقف وغي المثقف قرأته تقولون ما هذه السطحيه انا اقول لك اكتب ربع ما يكتب الكاتب نادر ثم علقي كما تشائين شكرا للكاتب ع هذ المقال الجميل
  • »?! (suha mohamad)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    تكمن المشكلة الحقيقية في الدمج الغير متناسق الذي طرأ على مجتمعنا..
    حيث يتقلب المجتمع بين الانفتاح واباحة العلاقات وبين منعها
    مجتمع ذكوري يحل للرجل ما لا يحل للمرأة..
    ابتعدنا عن تعاليم الاسلام.. حللنا الكثير من المحرمات وعاقبنا بعقوبات اكبر من التي اقرها الاسلام..
    لم نربي ابنائنا على معرفة الصواب من الخطأ.
    نص أدبي جميل جدا ..واسلوب رائع
  • »سطحية المعالجة (جوليانة)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    هذه اكثر المقالات سطحية التي كتبت في معالجة امر في غاية الأهمية , هل هكذا تعتقد ينمو الذكر المتطرف التفكير والذي يقوم بجريمة القتل؟ انت بحاجة الى اعادة التفكير وربما لم يكن عليك ان تكتب اصلا في هذا الموضوع تحديدا, وبالمناسبة هذه ليست فنتازيا هذه رؤية ضبابية غير ناضجة للموضوع ولا تصلح للنشر.
  • »اشرف غالي يا بوي (فيروز)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    إلى كل شرقية تنتظر الشوق أن يتكلم...
    هو الجحيم شرّعت له أبوابك، هل للصمت أن يتكلم؟!!
    حتى القمر
    حتى ليل صيف حميم
    ختى صداقات الطفولة....
    تهمس همس النجوم وتصمت..
    وحده الشوق بين جنبيك ما زال يتكلم.
  • »جميل وموجع (ربى احمد)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    ايها النادر
    نجحت في انتزاع دمعة كنت ادخرتها لطاريء..
    موجعة قصتك..
    لانها وللاسف من صلب الواقع..
  • »يريد مصلحتكِ ولم يقصد إيذائك (مصطفى محمد العمري)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    شكرا للكاتب نادر رنتيسي على مقال شرف جريمة , حين كانت تنظر من شرفة المنزل لم تلاحظ أنها مراقبة من ابن الجيران ذا العشر سنوات ولكن من سوء حظها أن آخها قد تنبه لهذه الحادثة فأغلق الباب وبداء بضربها ضرب لا يليق بفتاة لم تتجاوز الثامنة من العمر وهي لا تعرف لماذا هي حتى يتم ضربها كل ما عرفته هو أنها مخطئ ولكن في ماذا لم تعرف , ولم يتوقف الضرب إلا حين جاءت إليها والدتها وأنقذتها من الضرب المبرح الذي ترك ألماً من نفسها أكثر من جسدها , عندها قالت لها أمها إن أخاكِ ضربكِ لمصلحتكِ ولم يكن يقصد الإيذاء , بعد عام أصبحت في سن التاسعة رن جرس المنزل وإذ بطفل صغير يطلب من أخ الفتاة أن ينده لأخته للعب معها وما كان من ذلك الأخ إلا أن قام بإغلاق الباب والذهاب إلى غرفة تلك الفتاة المسكينة وبداء بضربها كما في السابق وجاءت الأم لتخلص القناة من الضرب الذي كاد أن يسبب الإغماء لها , كانت الفتاة محظوظة لإنقاذ أمها لها وشكرت أمها ولكنها لم تعرف لماذا تلقت كل تلك الضربات فسالت أمها , فقالت لها هو يريد مصلحتكِ ولم يرد إيذائكِ , كبرت الفتاة وأصبحت ناضجة وتقدم لها عرسان رفضتهم لأنها تريد أن تتم تعليمها فقد بقي على تخرجها سوى سنتين , عندها قام الأب هنا بضربها لأنها رفضت رجل أحس الأب انه كامل الموصفات ولكنها لم تقتنع فيه لأنه كان يشرب المسكرات أحيانا , كان ضرب الأب مبرح أكثر من ضرب الأخ , وقد أنقذت الأم الفتاة بعد أن كانت تفقد حياتها , حينها وقالت الأم أنه يريد مصلحتكِ ولا يقصد إيذائكِ !

    تزوجت هذه الفتاة وفي يوم لم تلاحظ أنها قد أخطأت عندما ركبت في سيارة التاكسي لوحدها دون أحدى معها لأنها كانت ذاهبة بعجله إلى بيت أخيها لأنه قد تخاصم هو وزوجته لأنه يريد مصلحتها ولم يقصد الإيذاء , وعندما عادت بعد أن حلت مشكلة آخها مع زوجته تلقت صفعة من زوجها وبداء الشجار فجاء الأب والأم بعد اقل من ساعة وضرب الأب ابنته أيضا أمام زوجها , فتدخلت الأم كإعادة وقالت أنه يريد مصلحتكِ ولم يقصد إيذائكِ ! , أصبحت هذه الفتاة المسكينة أم ,و في كل يوم تضرب ابنها دون سبب لأنه أحبت أن يكون شخص يعتمد عليه وهي تريد مصلحته ولم تقصد إيذائه وفي إحدى المرات كاد هذه الابن أن يفقد حياته بعد ضرب مبرح , فجاءت العائلة بكاملها وضربت تلك الفتاة ابتداء من الزوج والأخ والأب حتى آخها الصغير ذا العشر سنوات وهو يقلون نريد مصلحتكِ ولم نقصد إيذائكِ .
    كبر الابن وصار يضرب أمه وهو يقول لمصلحتكِ !
    فهذه هي الحياة فنحن لم نرد مصلحة أبنائنا ولكن لم نعرف كيف نجيرها بالطريقة الصحيحة , فكان الضرب أولى الأساليب وأكثرها نفعاً للأسف .
  • »غير نمط مقالاتك (فاخر)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    مقالاتك أخ نادر رنتيسي عن الحب والنساء والشرف والإثارة أحيانا غير هذا النمط لطفا بس أسلوبك حلو للغاية وصورتك حلوة كمان وأنا حبيتها
  • »بصراحة! (رنا سمارة)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    المقال جميل كنص أدبي لكن هناك مبالغة في تقديم الكاتب لدوافع القتل فالجريمة لا تكون بهذا التخطيط منذ الصغر. أعتقد أنه متأثر بالجانب الفني والسينمائي أكثر من همه تقديم شي واقعي
  • »قصة قصيرة (بسمة النسور)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    ليست مقالة عادية وانما قصة قصيرة مكتملة المواصفات والمقايس ، كتبت بحساسية عالية واسلوب رشيق جدا، وذلك شأن قلم نادر في كل ما يكتب ، حاولت ان استمتع في اجازتي البيروتية وأجعلها خالصة للبحر غير ان قرأة زاوية نادر رنتيسي واحدة من طقوسي كل جمعة ، اشكرك على قصة جميلة جميلة ولشديد الاسف انها من صلب الواقع رغم فانتازيتها !
  • »مقالة جميلة (أردنية)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    يا إلهي ما أجمل ما كتبت.
    لقد أبكيتني...
  • »نرفزت على الصبح (ربى)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    لا تعليق!
  • »مقالة رائعة (أحمد)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    شكرا لك على هذه المقالة الرائعة والجميلة والمعبرة ..

    أعتقد ان من يقتل أخته أو غيرها بدافع الشرف (الوهمي المؤقت) لم يكن في حياته ممن يعتبر اخا بكل معنى الكلمة ...