قرارات المركزي حماية للمؤسسات وإغلاق ملف بنك المال يكمن بانتخاب مجلس إدارة يتولى قيادته

تم نشره في الخميس 23 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

طالما أن الأسباب كما تم الإعلان عنها ووضع البنك ممتاز كذلك، فقد فعل البنك المركزي خيرا عندما قرر ثانية إعادة سهم "بنك المال الأردني" إلى التداول في بورصة عمان وخيرا أكثر يفعل بالإسراع بتسهيل انتخاب مجلس إدارة جديد، والخيرات تعم عندما يبقي نشاطه الرقابي وفق أرقى القواعد المهنية كما هو معروف عنه، وتزيد وتنتشر الخيرات عندما تنسق المؤسسات الرقابية جهودها.

أهمية مثل هذا القرار تكمن في تداعياته الخطيرة على المساهمين والمودعين والمقترضين والمتعاملين والجهاز المصرفي بكامله وعلى بورصة عمان والمتعاملين فيها وعلى البيئة الاستثمارية في المملكة بصورتها الجزئية والكلية، خاصة في هذه المرحلة التي تشهد فيها الأسواق المالية والنقدية تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، والبنوك  جوهرة التاج فيها.

فأزمة مجموعتي القصيبي والصايغ في المملكة العربية السعودية وتعرض العديد من البنوك لمخاطرها، في السعودية والخليج والعالم، ما تزال تكشف المزيد يوميا، وما تزال انكشافات البنوك وعقود رهنها العقاري ومشتقاتها وتداخلاتها تقفز إلى السطح، بعضها عرفناه وبعضها الآخر ما نزال نجهله، ما أطاح بكثير من القيادات المصرفية والرقابية في العالم كانت حتى فترة قصيرة نماذج لقادة وأبطال وأساليب عمل وإدارة يحتذى حذوها وحذوهم.

 وتكشف وثائق البنك المركزي الأردني رحلته الطويلة مع الجهاز المصرفي الأردني، تعامل خلالها مع العديد من المشاكل والقضايا الكبيرة كل بطريقة كما ارتآها، نذكر منها معالجته لقضية "بنك إنترا" في أواخر ستينيات القرن الماضي وقراره في سبعينياته بتعيين مراقب على " بنك القاهرة عمان" ومده بالسيولة اللازمة، دون أن يعلن عن ذلك عندما خشي من تبعات تورطه في قضية شركة (مارتن كاولي)، ومتابعته خروج البنك منها إلى أن تعافى وسدد ما عليه ليصبح أحد أعمدة الجهاز المصرفي الأردني كما هو الآن.

ومن القضايا التي تابعها المركزي أيضا قضية "بيت الاستثمار الإسلامي" في ثمانينات القرن الماضي وهو ثاني بنك إسلامي مرخص في ذلك الحين حيث قرر البنك المركزي تصفيته، ومنها أيضا قراره بعلاج مشكلة  "بنك البتراء" في أواسط ثمانينيات القرن الماضي عندما قرر مده بالسيولة وأبقى قراره ضمن أضيق الحدود، إلى أن قرر ثانية في العام 1989 حل مجلس إدارته وتعيين لجنة لإدارته وتعليق سهمه عن التداول ثم تصفيته وقراره بحل مجلس إدارة بنك الأردن والخليج كتداعيات لذلك.

 وعمل المركزي على إغلاق بنك "الاعتماد والتجارة الدولي" وبيعه فيما بعد للبنك الأهلي وقراره بمعالجة مشكلة "بنك عمان للاستثمار" وبيعه للبنك العربي في أواسط تسعينات القرن الماضي أيضا وقراره بحل مجلس إدارة "بنك فيلادلفيا" في مطلع القرن الحالي ووقف سهمه عن التداول وتعيين لجنة لإدارته ثم بيعه للبنك الأهلي، وكان هناك من تضرر من كل قرار كما يمكن القول إن هناك من انتفع.

وفي كل مرة كان البنك المركزي يعرض مبرراته، التي تقنع البعض وتعجز عن إقناع البعض الآخر، ليبقى القرار مسؤوليته ووفقا لتقديراته، فقراره بتصفية بنك "بيت الاستثمار الإسلامي" خضع لكثير من التأييد والرفض، كما خضع قرار تصفية "بنك البتراء" لجدل حتى هذه اللحظة بكلفه المختلفة، ما اضطر البنك المركزي آنذاك إلى طلب تعطيل التقاضي أمام القضاء فيما يخص قراره، والذي تعرض أيضا لمزيد من النقد والاتهام بإساءة استعمال السلطة، علما بأن تصفية البنكين ما تزال مستمرة حتى الآن بكلفها المعروفة.

لقد عصفت الأزمة الاقتصادية العالمية بمؤسسات عديدة في العالم، وكانت المؤسسات الرقابية وأهمها البنوك المركزية أكثر ما تعرض للملامة والنقد.

فها هو محافظ البنك المركزي الأميركي الحالي ووزير المالية السابق  يخضعان لاستجواب السلطة التشريعية حول قرارهم بيع شركة (ميريل لنش) الاستثمارية لبنك أوف أميركا، الذي اشتكى رئيسه بأنه تعرض للتهديد من الاثنين بتغييره وتغيير إدارة البنك إذا لم يكمل صفقة شرائه الشركة.

وقد نفى محافظ البنك المركزي الأميركي ذلك، بينما واجه وزير المالية السابق لجنة الاستماع بقوة مدافعا عن قراره بيع الشركة للبنك وعن ما قاله لرئيس البنك في حال تعطيل القرار، وأوضح أنه قام بذلك حماية للاقتصاد وسوق المال الأميركيين.

في نفس الوقت، ما يزال قرار البنك المركزي ووزارة المالية الأميركيين بالسماح بانهيار بنك "ليمان برذرز" يخضع للعديد من الاستفسارات والتلميحات بأن قرارهم كان بمثابة المفجر للأزمة المالية العالمية وتداعياتها التي ما تزال تهز العالم، وأنه كان عليهما ألا يسمحا بانهياره.

 وفي استبانة في أميركا حول من هم المسؤولون عن الأزمة، كانت الإجابات أن رئيس البنك المركزي الأميركي ووزير المالية السابقين من بين أكثر عشرة أشخاص يعتبرونهم مسببي الأزمة، وما تزال مؤسسة البنك المركزي الأميركي تخضع للضغوط حتى الآن، برئيسها السابق "ألان جرينسبان" الذي أمضى فيها ثمانية عشر عاما ورئيسها الحالي "بن برنانك" الذي حل محله، ليعمل مع الإدارتين الجمهورية السابقة والديمقراطية الحالية، التي تحاول إعطاءه المزيد من الصلاحيات لتصطدم برفض الجمهوريين في السلطة التشريعية والمستثمرين والمحللين الاقتصاديين وكبار موظفين سابقين شغلوا مناصب رقابية رفيعة لأنهم يعتبرونه قصر في ممارسة مهامه الرقابية ويفضلون إنشاء مؤسسة رقابية جديدة أو تعزيز صلاحيات هيئات رقابية قائمة.

 ويخوض البنك المركزي البريطاني، وهو من أقدم البنوك المركزية في العالم، صراعا بين حزب العمال الذي يريد تقليص صلاحياته وحزب المحافظين الذي يخطط لتعزيزها، بينما يشكو محافظه علانية أن وزير المالية لا يستشيره في خطط الإصلاح الاقتصادي والمالي التي ترسمها وزارته، وأن الوزير يحاول تقوية دور وزارته الرقابي ومؤسسات رقابية أخرى على حساب صلاحيات البنك، بينما وزير المالية لا ينكر هذا ويتهرب قائلا: إن البنك المركزي لم يحذر من الأزمة، وعندما رد المحافظ أنه حذر ولم يتم الاستماع له، أجابه الوزير"لأن البنك المركزي لم يحذر بقوة".

أما في ألمانيا وفي خروج عن التقاليد غير المكتوبة بعدم تعرض السياسيين للسياسة النقدية فقد شنت المستشارة الألمانية هجوما على البنك المركزي الألماني المعروف عنه استقلاليته وقالت: إن إجراءاته لم تساعد في حل الأزمة بل زادتها سوءا، كما هاجمت البنك المركزي الأوروبي واتهمته بأنه انحنى للضغوط عندما اتخذ إجراءاته، مما أغضب رئيسه الذي رد عليها مدافعا بشدة عن استقلالية المؤسسة التي يرأسها. وفي إسبانيا، هاجم رئيس الوزراء البنك المركزي الإسباني وقلل من دوره في مواجهة الأزمة في الوقت الذي أشركه في تسبيبها، وقال نائبه: إن محافظي البنوك المركزية أكثر ما يجيدون الكلام.

أردنيا، واجه البنك المركزي الأردني الأزمة الاقتصادية بهدوء وحافظ على وتيرة استراتيجيته واتخذ إجراءاته التي منعت تفاقمها داخليا حتى الآن، عندما خفض أسعار الفائدة ( قد يكون مطلوب تخفيضها ثانية) وخفض نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي وخفض الفائدة على نافذة الإيداع لديه (وقد يكون مطلوب تخفيضها ثانية) وقرر مع الحكومة ضمان ودائع البنوك العاملة في الأردن حتى نهاية 2009 وحافظ على قدر عال من الاستقلالية التي رسخها منذ تأسيسه في العام 1964 وحتى الآن، باستثناء مرحلة قصيرة من عمره.

وكان المحافظ المؤسس للبنك المركزي الأردني، الدكتور خليل السالم، قد ترك البنك في منتصف العام 1973 مؤسسة قوية فاعلة، وضع لها أطر الديمومة وفقا لأعرق البنوك المركزية في العالم، وأذكر مما سمعته منه عندما قابلته في ثمانينات القرن الماضي بحكم عملي كمفتش على البنوك وكان مديرا لأحد البنوك المحلية "لقد وضعنا تعليمات تغطي جميع أنشطة البنك بما فيها تنظيم كراجه" وكان الكراج يتسع لسيارات البنك وسيارات موظفيه وجميعها لا تتجاوز أصابع اليدين.

وخرج الدكتور السالم من البنك المركزي على غير رغبته، بقرار من رئيس الوزراء آنذاك، ليحل محله الدكتور محمد سعيد النابلسي الذي أمضى ثمانية عشر عاما على فترتين حيث ترك منصبه في العام 1985 وعلى غير رغبته أيضا بقرار من نفس رئيس الوزراء الذي عينه، ليحل محله نائبه حسين القاسم، الذي غادر منصب المحافظية مع نائبه الدكتور ماهر شكري، رحمهما الله في أزمة عام 1989 ليعود إليه ثانية الدكتور النابلسي بتكليف من جلالة المغفور له الملك حسين رحمه الله ليقود البنك في مواجهة أعتى الأزمات التي واجهها الاقتصاد الأردني منذ تأسس الأردن وليغادره ثانية في العام 1996 وعلى غير رغبته أيضا، ليحل محله الدكتور زياد فريز الذي خرج منه في أواخر القرن الماضي على غير رغبته كذلك، ليحل محله الدكتور أمية طوقان وحتى الآن.

سنوات طوال رسخ الأردن خلالها تقاليد مؤسسية ومهنية راقية جديرة بالاحترام والتقدير ما تزال قائمة حتى الآن حيث ما تزال السياسة النقدية واستقلاليتها ركن أساسي من أركان الاقتصاد يرسمها البنك المركزي وفقا لأهدافه وبتفاعله مع المؤسسات المصرفية والرقابية والحكومية  المعنية.

لكن هذا لم يمنع يوما لا في الأردن ولا في أعرق البلدان من توجيه النقد لقرارات البنك المركزي أو لقرارات الهيئات الرقابية الأخرى، بخاصة أن تقاليد عمل البنوك المركزية في العالم تغلفها الاستقلالية التي يعتبرها البعض أنها في غير محلها، كما تحيطها السرية التي توحي بالغموض  وسياسات التوجيه الشفوية التي يصعب إثباتها، وفي حين رأينا ونعرف أن قرارات البنك المركزي الأردني وسياساته لم تسلم من النقد ومن المساءلة وفقا للتقاليد الخاصة بالأردن، فقد حافظ البنك المركزي على مصداقيته وعلى أعلى درجات المهنية والالتزام بتحقيق المصالح الوطنية.

فالبنوك المركزية والهيئات الرقابية تتعرض لاتهامات بالتقصير، بين من يرى أنها عجزت عن التنبؤ بالأزمة وأنها ساهمت بقوة في صنعها ولم تنجح في مواجهتها ولم تفلح في القيام بواجباتها الرقابية على الجهاز المصرفي وأنها سارت إلى أقصى الحدود أسيرة لفلسفة الانفتاح من دون رقابة.

لتبقى عقولنا داخل رؤوسنا ولتبقى رؤوسنا باردة هادئة، لنضمن رشد تقديراتنا وقراراتنا وقدرة مؤسساتنا الرقابية على تنسيق أعمالها، واستعراض بدائل الحلول واختيار أكثرها رشدا وأقلها كلفا بالمفهوم الشامل، فأزمة احتيال البورصات ما تزال تجرجر ذيولها، والتعامل بقضايا المال والمصارف لا يحكمها نسق معين، وتعتمد على كثير من العوامل منها ما هو ظاهر وعرفناه ومنها ما هو مخفي ومنها ما لن نعرفه، بما فيها الظروف الخاصة والعامة لكل قضية وكل أزمة وخصوصيتها وشبكة المصالح والأشخاص والعلاقات ودرجة المهنية والغموض الذي يحيط بكل منها وأسلوب ترتيب الخروج منها وعقبات ذلك ووزن عامل الثقة والمحافظة عليها.

قرار البنك المركزي بإعادة سهم "بنك المال الأردني" للتداول أضفى مزيدا من المصداقية، وإغلاق ملف البنك يكون بالتعجيل بانتخاب مجلس إدارة للبنك يتولى بقيادته خدمة مساهميه وزبائنه والاقتصاد الوطني تحت رقابة البنك المركزي الأردني والمؤسسات الرقابية الأخرى مثله مثل بقية البنوك الأخرى.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قرار المركزي اعادة سهم بنك المال للتداول اضعف مصداقيته (علي)

    الخميس 23 تموز / يوليو 2009.
    وكان قد فقد جزءا من هذه المصداقية عند وقف السهم من التداول وتقديمه تبريرا ضعيفا لم يلق اي ترحيب.
    بقراءة ما حدث يتبين ان المركزي تعجل في قراره واضطر للرجوع عنه, وهي تعكس الضعف الذي الت ليه ادارة المركزي.
    وعليه فاني اخالفك الراي في موضوع المصداقية التي يتحلى بها المركزي وادارته على وجه الخصوص.
  • »تاريخ طويل وعريق للمركزي (ليلى)

    الخميس 23 تموز / يوليو 2009.
    ولكنه فقد سلطته الادبية على البنوك وتاكلت هيبته امام الاوساط المالية والاقتصادية في العشر سنوات الاخيرة بسبب تخبطه.