د.أحمد جميل عزم

قضية "الأونروا" وحراك اللاجئين الجديد

تم نشره في الأربعاء 22 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

 

لم يملك بعض حضور حفل تأبين الفنان التشكيلي اسماعيل شموط في قاعة مركز الحسين الثقافي في عمّان مطلع هذا الشهر إلا أن يتوقفوا مليّا. فالفرقتان الفنيتان اللتان أحيتا الحفل جاءتا من فلسطين المحتلة عام 1948، وكانت كلمات أغاني فرقة ليوا، القادمة من عكا، بالغة الدلالة تتحدث عن حق عودة اللاجئين وتتحدى "ضمير من يساوم" على هذا الحقوق. وتعلن أنّ البعض يحاول أن لا يرى في إسرائيل عدواً أو خصماً، ولكن إسرائيل تراه عدواً وتصر على ذلك (هو مش عدوك... بس إنت عدوه)، وبهذه الكلمات يثبت القابضون على الجمر في عمق الداخل الفلسطيني أنّهم يحملون حق العودة بقدر ما يحملها اللاجئون ذاتهم.

بالمثل يُدهَش الشخص عندما يستمع من بعض شخصيات مدينة يافا عن وقائع نضالهم، فبحسب هؤلاء لم يبق عام 1948 سوى نحو 3900 شخص من أصل نحو 120 ألفا (العدد الآن 23 ألفاً) عاشوا حتى أواسط السبعينيات سنوات الظلام والترهيب والتجهيل، لدرجة أنّه لم يحصل أيٌّ منهم على الشهادة الجامعية – حسب هذه المصادر- حتى عام 1976، بعد أن كانت المدينة قبل النكبة هي مدينة الصحافة والإذاعة والعلم في فلسطين. ويتحدث هؤلاء عن هدم آلاف المنازل في المدينة، وعن تعمد إسرائيل عدم إزالة ردم البيوت بهدف التضييق على من يسكنون بجوارها لإجبارهم على الرحيل. ولكن ومنذ الثمانينيات ومع ازدياد نسب التعليم تشكلت روابط لشؤون عرب يافا قامت ببذل جهود كبيرة لترميم البيوت وتنظيم الشارع العربي وتم تحقيق نجاحات مهمة. وعلى سبيل المثال، بدأ أهالي يافا مشروعا لفتح المساجد المغلقة بفرض الأمر الواقع، فصلّى في منتصف شهر حزيران (يونيو) الفائت أهالي يافا في مسجد "السكسك" الذي مضى على إغلاقه 61 عاما، تم تحويله في أوقاتٍ منها إلى مصنع بلاستيك، وفشلت قبل ذلك كل المحاولات الإدارية والقانونية لاستعادة المسجد.

هذه النجاحات يعزوها هؤلاء لأسباب عديدة، فيشيرون لمساعدات قدمها أثرياء فلسطينيون في العالم ساعدت في ترميم المنازل، ويشيرون إلى أهميّة حصولهم على بوابة للتواصل مع العالم العربي بعد عمليّات "السلام" مع مصر والأردن، مما كان له أثر كبير في الصمود الثقافي والسياسي والإعلامي والمادي، ومما يثبت الذكاء في استغلال أي فرصة.

هذه التطورات من عمق الداخل الفلسطيني، يوازيها ظواهر جديدة في العمل الفلسطيني في أنحاء العالم، منها على سبيل المثال مؤتمرات وجمعيات ولجان اللاجئين وحق العودة في أوروبا - رغم ما في هذه المؤتمرات من خلافات ورغم تعدديتها التي تعكس انقسامات داخلية إلا أنها تشكل تطورا قد تنجم عنه أطر عمل قوية.

من هنا يمكن – جزئيّا - فهم الهجمة الإسرائيلية الداعية للاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، ويمكن فهم خطوة إزالة اليافطات العربية من الشوارع، ويمكن فهم الحملة لتصفية وكالة الغوث الدولية (الأونروا) بمحاصرة مواردها المالية، وهي القضية التي غطتها الزميلة نادية سعد الدين في "الغد" يوم الخميس الفائت، والتي تستهدف إنهاء دور الوكالة في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين باعتبارهم كتلا متمايزة. فالوكالة ووثائقها أصبحت دليلا وسلاحا لإثبات الهوية الفلسطينية بما يرتبط بذلك من حق للعودة، ومن هنا فربما ما هو أهم من مساعدات وخدمات الوكالة أنها أصبحت أرشيف الهوية الفلسطينية. وقد أبلغني لاجئون فلسطينيون في إحدى البلدان الأوروبية أنّهم سعوا جاهدين مؤخرا للتسجيل في سجلات الوكالة، رغم أنّهم من الأطباء والمهندسين، ولن يحصلوا على مساعدات، ولكنهم وجدوا هذه الطريقة وسيلة لتثبيت حق أبنائهم وأحفادهم في وثائق رسمية تؤكد حق العودة.

هذا النشاط في أوساط اللاجئين وداخل فلسطين، يمكن تفسيره بالخشية من أن تقضي اتفاقيات السلام السياسية على حق العودة. وهو رد فعل على هزالة الأداء الفلسطيني الرسمي بشأن ملفات اللاجئين، ورد فعل على مخططات إسرائيل تصفية قضيتهم بالمطالبة بالتخلي عن حق العودة والمطالبة بالاعتراف بيهودية إسرائيل. كما أنّ موقف الفلسطينيين داخل فلسطين 1948 هو رد فعل على مشاريع طردهم، فهم يرفعون السقف بالمطالبة بعودة اللاجئين، مدافعين بذلك عن وجودهم أيضا. وبذلك فإنّ تأخر إسرائيل باستثمار فرصة التسوية السياسية على أساس حل الدولتين، قبل أعوام، ربما سيسمح  بتبلور حركة عودة وحركة لاجئين، كانت خارج الحسابات الدوليّة والإسرائلية الرسميّة. 

هذا الحراك يتطلب التفكير في اتجاهين، الأول عربي، إذ يتضح رسوخ فكرة حق العودة، بغض النظر عن أي حل سياسي مرحلي أو نهائي، وأنّ الفلسطينيين قادرون على تطوير أدوات ووسائل للصمود والاستمرار وأنّ كبارهم إن ماتوا فإن أطفالهم لن ينسوا، وبالتالي فإنّ فرض المعاناة على اللاجئين بمنعهم في أكثر من بلد من العمل والحد من حرية السفر والحركة والبناء ومنع تمديد الخدمات الصحية من مجارٍ وغيرها وإبقائهم في ظروف غير إنسانية بحجة منع التوطين أمور غير مبررة. ويجب الرد على تقليص خدمات "الأونروا" بحملة عربية رسيمة رافضة لتخلي المجتمع الدولي عن مسؤولياته.

أمّا فلسطينيّا وعلى صعيد اللاجئين أنفسهم، فعدا عن الحاجة لتجاوز الخلافات وتنسيق التحركات المختلفة في العالم وداخل فلسطين في أطر موحدة، فإنّ تطوير برامج عمل على أسس مطلبيّة محددة أمر مهم، فمثلا يمكن تبني قضية "الأونروا"، من قبل منظمات ولجان حق العودة واللاجئين في أوروبا والعالم، والبدء بحملة للمطالبة بتطوير الخدمات والمساعدات المقدمة للاجئين بدل تقليصها.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لاحول ولا قوة الابالله (محمد القدومي)

    الأربعاء 22 تموز / يوليو 2009.
    لا حول ولا قوة الا بالله