عيسى الشعيبي

أربع نساء ذهبيات

تم نشره في الجمعة 17 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

 

 هن أربع نساء ذهبيات من عيار أربعة وعشرين قيراطاً، تصدرن مقدمات الأخبار الساخنة، وتناوبن تباعاً على استقطاب أوسع الاهتمامات والأضواء على مدى الأسابيع الأربعة الماضية، وحفرت كل منهن لنفسها مكانة باذخة، واسماً لامعاً قد لا يسقط من الذاكرة العامة لأوقات طويلة مقبلة.

ومع أن هناك نساء أخريات حضرن بلا ملامح، ثم سقطت أسماؤهن من التداول خلال فترة الأسابيع الأربعة ذاتها، إلا أن من نحن بصددهن اليوم هن أمهات وفتيات من معدن نبيل لا يصدأ، أو قل من قماشة نسائية غزلت خيوط حريرها أقدار استثنائية، وبعد ذلك حاكت نسيجها الفاخر مصائر فردية خاصة.

 وهناك أكثر من قاسم مشترك أعظم بين هؤلاء الذهبيات الأربع، الأول أنهن مسلمات، والثاني أنهن مظلومات، والثالث والرابع إلى العاشر أنهن يتشاطرن صفات يحبها كل منا لأخته أو ابنته أو زوجته، فهن شجاعات، حرّات، إيجابيات، مثقفات، جميلات، وفوق ذلك محل اعتزاز وموضع إطراء وإعجاب عام.

الأولى اسمها نداء سلطاني، الفتاة الإيرانية التي ساقتها أقدارها العمياء للموت، بالصوت والصورة، في حمأة الاضطرابات الناجمة عن تفويز أحمدي نجاد برئاسة الجمهورية الإسلامية، فغدت نداء، وفي قول آخر ندى، رمزاً أنثوياً رقيقاً وعلماً مرفرفاً إلى الأبد في سماء حقبة إيرانية لم يكتب غير السطر الأول من صفحتها الطويلة.

الثانية مروة الشربيني الصيدلانية المصرية التي قضت غيلة في قاعة محكمة ألمانية على يد واحد من النازيين الجدد، فطوّبت اسمها كضحية بالغة الرمزية، لموجة عنصرية كريهة تواصل احتدامها المجنون ضد الملونين والمهاجرين والمسلمين، والمحجبات على وجه الخصوص، فكان موتها نقطة دم كبيرة على صدر صفحة سوداء من سجل لم يطو بعد في الذاكرة الإنسانية المثخنة بالعداء والتمييز والكراهية إزاء العرب والمسلمين.

أما الثالثة فهي أقلهن شهرة وأكثرهن حظاً، كونها لم تقتل أو تسجن، حيث كانت العقوبة إعادتها إلى عصر الحريم فقط. إنها أسماء الغول الصحافية الغزية التي هاجمتها كتائب الفضيلة الحمساوية وصادرت أشياءها الصغيرة الخاصة، بجريرة أن هذه الفتاة المتمردة على تعاليم الإمارة ذهبت إلى الشاطئ وغطست في الماء بكامل ملابسها، وقارفت آنذاك فعل الضحكة المسموعة.

غير أن الرابعة ذات القوام الأبانوسي الفاره، هي الصحافية السودانية لبنى أحمد حسين المتهمة بارتكاب فعلة خدش الحياء، لارتدائها بنطالاً فضفاضاً وقميصاً واسعاً وغطاء رأس طوله ثلاثة أمتار على الأقل، حيث من المقرر عقابها بالجلد على يد الشرطة الدينية لنظام الجنرال عمر البشير المطلوب للعدالة الدولية بتهمة ارتكابه جريمة إبادة جماعية.

غير أن ما يفرّق بين هؤلاء النسوة، على رغم المشترَكات الكثيرة بينهن، هي الانتقائية والتمييز في التعاطي مع قضاياهن، وازدواجية المعايير في التناول الإعلامي لحالة كل واحدة منهن، مع أنهن جميعهن ضحايا ظروف لم تكن من صنع أيديهن، وأدهى من ذلك وأمر، التأويل المتعسف لمغزى الظلم الفادح، بمستوياته المختلفة، الذي لحق بكل واحدة منهن.

ففي الوقت الذي عملت فيه ماكينة إعلامية سياسية حزبية، مصابة بداء التعصب لنظام ولاية الفقيه، على تسخيف موت نداء باعتبارها فتاة تحب الموسيقى وتمارس رياضة "الجم" عملت  الماكينة نفسها على تعظيم موت مروة ورفعها إلى مستوى شهيدة الحجاب، وسط موجة عارمة من المطالبات الداعية إلى الانتقام، بل والمظاهرات المنادية بوقف الحوار بين الحضارات والأديان، وفرض المقاطعة على الألمان.

وعلى المنوال ذاته، تعمدت هذه الماكينة التي تعمل كوسيلة سيطرة في مجتمع بطريركي متخلف، تجاهل مغزى هذا التغول الأصولي ضد المرأتين: الفلسطينية والسودانية، لا سيما وأن هاتين الصحافيتين الباسلتين ترفضان دخول بيت الطاعة الذكورية المستبدة، حتى لا نقول سجن قاصرات الضلع، المكسورات المهانات اللواتي كلهن عورة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال نادر في الوضوح والشجاعة (باتر وردم)

    الجمعة 17 تموز / يوليو 2009.
    لو كان الأمر بيدي لمنحت الكاتب جائزة أفضل مقال في الصحافة الأردنية للعام 2009، وأود أن اقدم جزيل الشكر على مقال نادر وجرئ يلتزم بقيم الكرامة الإنسانية والتنوير، ولن أضيف إلى المقال إلا ملاحظة واحدة وهي أن الجرائم المرتكبة ضد ندى وأسماء ولبنى تمت من قبل أدوات قمع وتسلط لأنظمة تحظى وبكل اسف بشعبية كبيرة في الشاراع العربي، بينما الجريمة ضد مروى ارتكبها متعصب واحد ومع ذلك تم تصويرها وكأنها انعكاس لحالة حقد غربية ضد الإسلام وهذا ليس صحيحا خاصة في ألمانيا حيث يتم بذل جهد كبير من أجل تعزيز الإندماج والمساواة.
    إذا أردنا الدفاع عن كرامة المرأة وحقوقها فإن العالم العربي والإسلامي يبقى في مقدمة المناطق التي تحتاج إلى المزيد من التقدم نحو المساواة والكرامة.