محمد برهومة

هل حقا أن نشر الديمقراطية ليس من أولويات أوباما؟

تم نشره في الخميس 16 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

منذ بداية عهد الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة باراك أوباما ثار جدل حول المكانة التي يحتلها ملف نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط وسواه على أجندة الإدارة الجديدة. وبادرت آراء إلى القول إن هذا الملف لن يكون على أجندة أوباما وإدارته، وقد ساعد هذه الآراء في هذا "الجزم" المتسرّع ربما، ما يشير إليه الباحث عمرو حمزاوي من أن الأشهر الأولى من عمر الإدارة الأميركية الجديدة شهدت تقليصا حقيقيا في المخصصات المالية لبرامج دعم الديمقراطية، كان أكثر حالاته وضوحا طلب البيت الأبيض من الكونغرس في موازنة 2009-2010 اعتماد 20 مليون دولار لبرامج دعم الديمقراطية والمجتمع المدني في مصر عوضا عن 50 مليون دولار طلبتها إدارة بوش قبل رحيلها في موازنة 2008-2009.  كما تراجع توظيف مفردات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في الخطاب العلني لرموز الإدارة حول العالم العربي وقضايا السياسة الدولية بصورة عامة، وترك منصب المسؤول عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في مجلس الأمن القومي ومنصب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، وهما المعنيان بالتخطيط الاستراتيجي وبالتسيير العملي لبرامج دعم الديمقراطية، شاغرين من دون تعيين إلى اليوم.

لكنّ مضي الوقت يجعل القراءة والتحليل أكثر نضجا ودقة، وبرصد عدد من مواقف الرئيس الأميركي أوباما وردود فعله وخطاباته ( وخاصة خطابيه في القاهرة في 4-6-2009 وفي موسكو في 7-7-2009) يتبدى أن من المهم اختبار مدى دقة القول إن ملف نشر الديمقراطية، لا يحظى بتلك الأهمية، وأن أوباما أوشك على غلق الملف الذي فتحته إدارة بوش الابن بقوة غير معهودة في الإدارات الأميركية السابقة. وسأحاول هنا مقاربة دقة هذا التصور.

لقد كان ملف نشر الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط من أهم الملفات في عهد إدارة  جورج بوش الابن، التي أثارت جدلا غير مسبوق. فعلى الرغم من أن مبدأ نشر الحرية والديمقراطية، كما يشير الخبراء في الشأن الأميركي، ظل مكونا أساسيا في السياسة الأميركية، وهو ما يعرف بـ"النزعة المثالية"، فإن بوش الابن هو من وضعه في سياق استراتيجي متكامل، وجعله أولوية أساسية على أجندة إدارته. وقد صدرت تصريحات واضحة وصريحة من كبار المسؤولين الأميركيين في الإدارة السابقة رأت في حرب العراق بداية لتنفيذ المشروع الأميركي لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. كذلك يذكر الجميع تصريحات وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس التي رأت في حرب إسرائيل على لبنان 2006 بداية التغيير في الشرق الأوسط والانفتاح الديمقراطي.

هذا "النفَس الإميراطوري" إذا جاز التعبير، كان أحد العوامل الرئيسية في فشل مساعي إدارة بوش الابن في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط تحت سطوة القوة العسكرية، التي يبررها فهم تكرّس لدى المحافظين الجدد يرى أن انعدام الديمقراطية في منطقتنا وغياب الحرية هو الذي فرّخ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. فناهيك عن صلافة مبدأ الفرض من الخارج ( ومن ضمنه دعوة الإدارة السابقة إلى تغيير مناهج دراسية في العالم الإسلامي ومحاربة الإسلاميين والتضييق على العمل الخيري وعدم التمييز بين مقاومة وإرهاب...) وتهديد الدول العربية بـ"الديمقراطية"!!، كانت ممانعة الدول السلطوية أهم عوامل فشل (أو إفشال) رغبة بوش في ملف الديمقراطية، وذلك أن شعار "غَيّروا قبل أنْ تُغيّروا" أفزع هذه الحكومات والأنظمة، وجعلها تتحسس خطر الدعوة القادمة بالقوة، واستطاعت هذه الحكومات بما تملك من مخزون كبير على المناورة في مسائل الإصلاح السياسي ومطالب الحريات أنْ تجتاز هذا المأزق، وساعدها بشكل أساسي في ذلك تورّط إدارة بوش في حربي أفغانستان والعراق، إذ تبيّن أن العجرفة الأميركية قد أنتجت مشاريع للحرب الأهلية بدلا من نشر الديمقراطية وتعزيز الحريات.

الناخب الأميركي ردّ على فشل بوش بالمجيء بالديمقراطي أوباما. وعند رصد وقراءة مواقف أوباما من مسألة الديمقراطية يتبيّن لنا أن ثمة مجموعة من الاعتبارات تحكم وجهة نظر الإدارة الأميركية الجديدة بخصوص هذه المسألة، ولعل أبرز هذه الاعتبارات مايلي:

أولا؛ يميّز أوباما بوضوح بين دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومسألة تغيير الأنظمة. ويؤكد أوباما أن تغيير الأنظمة ليس على أجندة الإدارة الجديدة، وأبرز الأمثلة هنا إيران، إذ مع كل ما وصلت إليه أزمة الرئاسة في إيران من احتدام ظل أوباما يكرر بأن ما يحدث في إيران قضية إيرانية وليست قضية الولايات المتحدة. ورغم كل الاحتجاجات داخل إيران على نتائج الانتخابات الأخيرة، فإن أوباما ظل يكرر بأن تغيير النظام في إيران ليس هدفا لإدارته. وقد أوضح أوباما في خطابه في القاهرة بأن "نظام الحكم الذي يسمع صوت الشعب ويحترم حكم القانون وحقوق جميع البشر هو النظام الذي أؤمن به. وأعلم أن جدلا حول تعزيز الديمقراطية وحقوق جميع البشر كان يدور خلال السنوات الأخيرة وأن جزءا كبيرا من هذا الجدل كان متصلا بالحرب في العراق".

ثانيا؛ يميز أوباما بين فرض المنظومة الغربية على الآخرين عنوة، وهو ما صرّح (في خطابيه في القاهرة وموسكو) برفضه، وبين الالتزام بقيم أساسية مثل احترام حرية التعبير والانتخاب والمعارضة بشكل سلمي، وسيادة القانون وتعزيز الشفافية ومحاربة الفساد، ويرى في هذه القيم قيما إنسانية. وقد أكّد أوباما في خطابه في موسكو أن "أميركا تدعم هذه القيم حول العالم لأنها قيم أخلاقية ولأنها تفعل فعلها. وقد بيّن التاريخ أن الحكومات التي تخدم شعوبها تدوم وتزدهر. أما الحكومات التي تعمل لمصلحة تعزيز سلطتها فلن تدوم ولن تزدهر. والحكومات التي تمثل إرادة شعوبها هي أقل احتمالا بأن تنزلق إلى مستوى "الدول الفاشلة"، أو أن تروّع مواطنيها، أو أن تشن حربا على الآخرين. والحكومات التي تشجع سيادة القانون وتخضع أعمالها للإشراف وتسمح بوجود مؤسسات مستقلة هي أنظمة يعول عليها. وخلال تاريخنا بالذات كانت الدول ذات النظم الديمقراطية حليفات أميركا الأكثر ثباتا".

كذلك أكد أوباما في خطابه بموسكو بأن أعدادا أكثر من الناس يتوجهون الآن إلى مراكز الاقتراع ولكن حكومات كثيرة جدا ما تزال ترفض صون حقوق مواطنيها.  وقال: "إن أميركا لا تستطيع ويجب ألا تقوم بفرض أي نظام حكومي على أية دولة أخرى، ولا نحن نفترض أننا نختار أي حزب أو شخص ينبغي أن يقود بلدا معينا. ونحن لم نقم دائما بما كان علينا أن نقوم به على ذلك الصعيد. وفيما نجتمع هنا اليوم( في موسكو في 7-7-2009)، فإن أميركا تؤيد إعادة الرئيس المنتخب ديمقراطيا لهندوراس، رغم أنه عارض السياسات الأميركية بشدة. ونحن نقوم بهذا لا لأننا نتفق معه، بل إننا نفعل هذا لأننا نحترم المبدأ العالمي المتمثل في أنه ينبغي للشعب أن يختار قادته، بغض النظر عما إذا كنا نتفق معهم أم لا".

ثالثا؛ يذهب أوباما إلى التصريح بأن المصلحة الأميركية "في وجود حكومات ديمقراطية تصون حقوق شعوبها". ويبيّن أن "أميركا ليست من دون عيوب بأية صورة من الصور. لكن الالتزام تجاه قيم عالمية معينة يتيح لنا أن نصلح الشوائب ونحسن أنفسنا بصورة مستمرة وأن نصبح أقوى مع مرور الزمن. وقد أتاحت حرية التعبير والتجمع للنساء وللأقليات وللعمال أن يتظاهروا مطالبين بحقوق كاملة ومتساوية في زمن كانوا يحرمون فيه منها. كما ساهم سلطان القانون وتطبيق العدالة بصورة متكافئة في القضاء على الاحتكارات وإغلاق ماكينات سياسية كان ينخر فيها الفساد ووضعَ حدا لسوء استخدام السلطة. كما فضحت وسائل إعلام مستقلة الفساد على جميع أصعدة الأعمال والحكم، فيما تتيح لنا الانتخابات المتنافسة ان نغير وجهة مسارنا وأن نحاسب زعماءنا على أعمالهم. ولو لم تروج ديمقراطيتنا لهذه الحقوق لما تمكنت أنا، كشخص ينحدر من أصل إفريقي، من التحدث إليكم كمواطن أميركي، أو بالأحرى كرئيس. لأنه في زمن تأسيسنا كأمة لم يكن لدي أية حقوق – أي الناس الذين يشبهونني. لكن كنتيجة لتلك العملية أصبح بمقدوري أن أقف أمامكم كرئيس للولايات المتحدة".

رابعا؛ يرى أوباما أن مصالح أميركا في النظام الدولي تدفع بلاده قدما في اتجاه التعاون مع احترام سيادة جميع الدول. ويؤكد أوباما أنه ينبغي أن تكون سيادة الدول حجر أساس النظام الدولي. فكما ينبغي أن تتمتع جميع الدول بحق اختيار قادتها، فإنه ينبغي لها أن تتمتع أيضا بالحق في الحدود الآمنة وبالحق في سياساتها الخارجية.

خامسا؛ من الأفكار المؤثرة التي قالها أوباما في موسكو إنه مضى زمن الحاكم الفرد الذي يقرر مصير العالم في اجتماع، وأوضح في هذا السياق بأنه "كانت هناك حقبة كان يستطيع فيها روزفلت وتشرتشل وستالين صوغ العالم كله في اجتماع واحد. ولكن هذه الأيام ولت إلى غير رجعة. فالعالم أصبح أكثر تعقيدا اليوم. وقد وجد بلايين البشر صوتهم الخاص بهم، وهم يسعون إلى الحصول على نصيبهم من الرخاء وتقرير المصير في كل ركن من أركان كوكبنا. فعلى مدى العقدين الماضيين، شهدنا الأسواق تنمو والثروة تنتشر والتكنولوجيا تُستعمل للبناء، لا للتدمير. وقد رأينا الأحقاد القديمة تمّحي، وأوهام الخلافات تنقشع وتزول؛ لقد رأينا المصير الإنساني في أيدي عدد متزايد من البشر الذين يستطيعون صوغ مصائرهم. الآن علينا أن نرى حقبة التحول التي عشتموها تطلق حقبة جديدة تعيش فيها الدول في سلام وتحقق فيها الشعوب طموحاتها في الكرامة والأمن والحياة الأفضل لأبنائها. هذه هي مصلحة أميركا".

سادسا؛ يبتعد أوباما عن الأفكار التي تقدم المصالح والبراغماتية على المبادئ والقيم، وقد ضربنا مثلا على ذلك بموقفه من هندوراس. وقد قال في القاهرة "إن أميركا تحترم حق جميع من يرفعون أصواتهم حول العالم للتعبير عن آرائهم بأسلوب سلمي يراعي القانون حتى لو كانت آراؤهم مخالفة لآرائنا، وسوف نرحب بجميع الحكومات السلمية المنتخبة شرط أن تحترم جميع أفراد الشعب في ممارستها للحكم. هذه النقطة لها أهميتها لأن البعض لا ينادون بالديمقراطية إلا عندما يكونون خارج مراكز السلطة ولا يرحمون غيرهم في ممارساتهم القمعية لحقوق الآخرين عند وصولهم إلى السلطة. إن قمع الأفكار لا ينجح أبدا في القضاء عليها". وفي استلهامه للانتقادات التي لامته على توجيه خطاب من القاهرة، وفي بلد غير ديمقراطي، قال أوباما في خطابه للعالم الإسلامي: "يجب على الحكام أن يمارسوا سلطاتهم من خلال الاتفاق في الرأي وليس عن طريق الإكراه ويجب على الحكام أن يحترموا حقوق الأقليات وأن يعطوا مصالح الشعب الأولوية على مصالح الحزب الذي ينتمون إليه".

هذه الاعتبارات الأساسية التي تشكّل المضمون والمحتوى الذي يصدر عنه أوباما في مقاربته لمسألة نشر الديمقراطية والحريات في الشرق الأوسط وغيره، ما تزال بحاجة إلى وقت لاختبار صدقيتها أو ما قد يطرأ عليها من تغييرات وتعديلات ومراجعات. لكن من الواضح أن أوباما يحاول أن يقيم نسيجا من المبادئ والمصالح، وينشّط الأدوات الدبلوماسية التي أهملتها إدارة بوش بتقديمها الجانب العسكري إلى الواجهة. وربما يخلص المرء من أقوال أوباما ومواقفه بشأن مسألة الديمقراطية والحريات، أنه يريد الخروج من الضرر والشكوك التي خلّفتها إدارة بوش الابن حول النوايا الأميركية حين تعاطت مع هذا الملف بعقلية إمبراطورية. هذا الخروج لا يسمح في الوقت ذاته بالقول إن هذه الملف لم يعد أولوية لأوباما، فهذه التصريحات المفصّلة، التي عرضناها سابقا، حول هذه المسألة تدلل على محورية هذا الملف لدى الإدارة الجديدة. وليس من دون دلالات أنْ يخص أوباما في جولته الأخيرة قبل أيام غانا بالزيارة، مشيدا بتجربتها الديمقراطية (التجربة الغانية الديمقراطية هي الأهم في القارة السمراء)، داعيا إلى الاقتداء بها، وحاثّاً على حكم القانون ومكافحة الفساد، مؤكدا للأفارقة أن عليهم "عدم التذرع بالاستعمار لتبرير الممارسات المناهضة للديمقراطية وتبرير الفساد والنزاعات والأمراض".

 على أي حال، ستبقى مقاربة أوباما لمسألة الديمقراطية مجالا للفحص والاختبار، وستبقى محاولة أوباما الدمج بين المبادئ والمصالح، وتعزيز الأخلاقية الأميركية وعدم السكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان مجالا للتساؤل عن صدقية ذلك مع ما ترتكبه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، وكذلك رد الفعل الأميركي الفاتر حول القمع الذي تمارسه الصين منذ أسابيع بحق الأقلية المسلمة هناك. كما ثار التساؤل عن صدقية عدم تدخل إدارة أوباما في نتائج أي انتخابات ديمقراطية حين قام نائب الرئيس الأميركي جون بايدن بزيارة فريق الرابع عشر من آذار قبل يوم من الانتخابات البرلمانية.

إنّ كل ما تقدّم من حديث عن الدور الخارجي في تشجيع فرص الديمقراطية وإشاعة الحريات يجب ألا ينسينا، نحن المبتلين بالافتقار إليهما، أن توطينهما مهمة ذاتية تقع على عاتقنا أولا، وأنهما تُكتسبان ولا تمنحان، و"إذا لم تساعد نفسك فمن سيساعدك"؟.

mohamad.barhomuh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجواب لا (محمودجبور)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    تصريحات السيدة كلينتون هذا اليوم تطالب بالتطبيع وان على الدول العربية ( اقناع) الشعوب العربية بقبول اسرائيل وتقول ايضا : ان المبادرة العربية جيدة ولكن يجب القيام باجراءات اكثر تجاه اسرائيل في حين اكتفت بالاشارة الى ان الاستيطان يمثل تحديا فقط لاغير ولا مطالبات ولا ما يحزنون!!
    أنا اقف عاجزا عن فهم هذه ( الذهنية وطريقة التفكير الاميركية) ولا أعرف اذا كان المشي الصحيح هو على الرؤوس وليس بواسطة الاقدام!!!