موفق ملكاوي

مأساة فلورينتينو إريثا: ما وراء الحب

تم نشره في الخميس 16 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

ربما لم يُكتب لأي حب مشهور أن يتحرر من اشتراطات التراجيديا التي ساقتها إليه موضوعية حَدَثية، أو تواطؤ ذاكرة جمعية على إدخال "استعارات" لازمة لأسطرة مثل تلك القصص.

وقد تكون تلك التراجيديا سببا رئيسا في اشتهار مثل تلك القصص، خصوصا مع وعي بشري شقي، ينزع إلى تخليد المأساة بالتذكر، وينسى كثيرا سواها.

من قصص الحب التي نتذكرها دائما، مستعيدين تفاصيلها بحذافير غير منقوصة، ما كتبه ماركيز في رائعته "الحب في زمن الكوليرا"، مستلهما فيها قصة الحب التي جمعت أبويه، مع العديد من الإضافات الملحمية التي ميزت كثيرا من أعماله الروائية.

قصة فلورينتينو إريثا مع حبيبته فيرمينا إديثا تشكل حالة خاصة من الحب الملحمي الذي ينتهي، كما قصص الحب الشرقية في العادة، بلقاء الحبيبين برغم جميع الصعوبات الموضوعية التي تعترضهما.

ولكن اجتماع بطلي ماركيز لا يمكن أن يكون ساذجا إلى الدرجة التي تأخذه فيها على محمل البساطة، فالكاتب لا يمكن أن يرتّب للقاء كهذا، فهو معقد بما فيه الكفاية ليقترح شكلا جديدا للتلاقي، وموعدا لا يتم إلا من خلال خياله الذي اعتاد أن يستجلبه غرائبيا وعجيبا، وعصيا على أي كاتب آخر.

تبدأ القصة بـ "حكاية حب تلامذة"، يتبادلان أشواقهما عبر الرسائل. ورغم رفض والد فيرمينا إديثا لهذه العلاقة، وسفره بابنته بعيدا لقطع اتصالها مع حبيبها، إلا أن ذلك لا يفلح، إذ يبقى الحبيبان على اتصال، وتبادل للأشواق.

العقدة المفصلية في الرواية هي أن البطلة تبقى على علاقة بحبيبها مدة ثلاثة أعوام من دون أن تقترب منه، وعندما يحدث ذلك، تكتشف أن حبيبها يكاد أن يكون بلا ملامح محددة، ما يصيبها بشيء من النفور منه، فتأخذ قرارها بالابتعاد عنه، والارتباط بطبيب جذاب ومن طبقة راقية في المجتمع.

الحدث مفصلي، والقرار مصيري، إذ تعيش مع زوجها 52 عاما، تختبر من خلالها الحياة الجميلة الارستقراطية؛ تنجب منه أبناء، وتسافر معه إلى العديد من الدول الأوروبية.

وفي الوقت الذي تنسى فيه البطلة حبيبها، يبقى العاشق متعلقا بحبال النجاة مع حبيبته، ولعل ذلك يتبدى واضحا لدى موت زوج فرمينا إديثا، إذ ما إن يعلم بالخبر حتى يستيقظ هدفه الحياتي الأول المتمثل في الزواج من حبيبته، فيسارع لتقديم نفسه إليها من جديد.

وبرغم الصدّ الأولي من قبل الحبيبة، إلا أن أشواقها تستيقظ من جديد، مستعيدة نبضا خاصا عمره أكثر من نصف قرن.

ولعل قمة الحكاية تتبدى في المشاهد الأخيرة منها، عندما يسافر الحبيبان، وهما على مشارف السبعينيات، على متن رحلة بحرية، ليتفتق ذهن الرجل عن حيلة ماكرة للتخلص من الركاب الآخرين، حين يدّعي أن السفينة عليها وباء الكوليرا، ليعلن الحَجْر الصحي عليها، وتبقى عائمة فوق الماء لا تتوقف على أي شاطئ، وهي ترفع العلم الأصفر الذي يرمز إلى الوباء، فيما الحبيبان العجوزان على متنها يختبران مرحلة ما وراء الحب.

ما الذي تقوله تلك الحكاية؟

لا شيء بالتحديد، سوى أن هناك حياة من الممكن أن تكون حقيقية، وتمتلك أهدافها المشروعة التي لا تتنازل عنها بسهولة، فيما هناك حيوات كثيرة يقتلها الزيف والكذب والخداع، وتلبس في كل يوم قناعا جديدا تفاجئ به الآخرين.

mwaffaq.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »موجعة (رامي السعد)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    موجعة مقالتك
  • »الله محبة (رنه العامر)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    لنعطي الحب من اجل الحب.
  • »فقدان حياه (شعاع عمر)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    حلو كتير
    ولكن "ثمة حياة يفقدانها مع كل لحظة يكونانفيها بعيدان عن بعضهما"
    واحسب كم من الحيوات فقدوا
  • »هي الحياه (هبه)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    يذكرني ما كتبه كاتبنا الموفق باجمل ما قرات يوما

    "هي الحياة .. إذن.


    قطعـا ً " لا يحدث للإنسان .. ما يستحقه .. بل مايشبهه "


    فلم الألم .. ؟ ما دامت تلك النهايات تشبهنا .. حتى لكأنما الموت يجعلنا أجمل ؟


    رحم تقذفنا إلى رحم . ونحن الذين تساوينا في المجيء ، لن نسأل .. لم يكن الميلاد واحدا .. ويتعدد الموت إلى هذا الحد !"
  • »اجمل روائعة (نادر عمران)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    غابرييل غارسيا ماركيز، يستمد من المخيلة الكثير ليشحن به كتاباته، وبذلك يحقق تآلفاً منسجماً لعالم يطفو فوق المواقع، إنما جذوره متأصلة فيه ويغتني بنُسُغه، إنه يعتمد الخيال أو المخيلة وسيلة كبرى في الحياة والكتابة وهو يقول في أكثر من مناسبة: "الخيال في تهيئة الواقع ليصبح فناً" ويقول أيضاً "الغرائبي يأخذني ولا يبقي من الواقع إلا أرض القصة".
  • »الحب والموت (نورهان نسيم)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    في روايته الحب في زمن الكوليرا يبقى غارسيا ماركيز مأخوذاً بكل تلابيبه بفكرة الحب ويبقى خياله محلقاً في سماءاته، فالفكرة الثابتة في ثناياها أنها رواية حب وفي هذا يقول ماركيز "أن هذا الحب في كل زمان وفي كل مكان، ولكنه يشتد كثافة، كلما اقترب من الموت". في هذا المناخ تبقى معالجة هذه الفكرة مدعاة للتأمل في ظل الخيال.
  • »الحب وشياطين اخرى (عبدالله علي)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    الحب وشياطين اخرى احلى . يا ريت نقرا تحليلك الها
  • »زمن الشيخوخة (حسام الراعي)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    انا قرأت الروايه وحتى النهايه ولكنى احسست بشىء من الملل خصوصا مع تجاوز اعمار الحبيبين الشباب والغياب فى زمن الشيخوخه .وهوا ما افقد الروايه متعتها …
  • »الفصل الثاني (دارين)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    بمجرد أن تنتهي من قراءة الفصل الاول من هذه الرواية حتى تبدأرحلتك مع أجمل قصة و أروع قصة تتغلغل في أعماق أعماقك .تحرك فيك كل مشاعرك و أحاسيسك حتى تعابير وجهك تتفاعل بشكل واضح مع كل حدث في الرواية و بالرغم من واقعيتها الا أنها رومانسية و حميمة بشكل رائع0
  • »لم تعجبني (شيرين عطا)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    بصراحة قد قرأت الرواية, لكني لم أحبها أبداً, بل ارغمت نفسي على إكمالها…..
    لم أجد الحب فيها أبداً.
    و فلورينتينو لم يكن سوى شاب جبان, ظن أنه أحب مرةً و عندما لم يتم له ما أرد, لم يتخطى لذلك و يمضي قدما في حياته ليجد حباً أخر. بل أضاع سنيه في انتظار وهم قديم…
  • »حلو (rula)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    جد حلو كتيير
  • »الحب عند كبار السن (بثينه الهباهبه)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    هل السفينة المتوقفة بعرض البحر بلا رغبة في الوصول الى شاطىء هي الحياة الحقيقة ؟
    ليس كاتب الرواية مصلح اجتماعي لنقييم افكارة وقيمة, فمنذ متى اصبح إدعاء احدى السفن "فرد" التوقف في البحر"الحياة" وعدم المتابعة هي الحياة البديلة التي نرغب؟ ليس هذه الا الموت في الحياة .
    لم ارى ان ......تجربة هروب السفينة من أمواج يفترض في السفن مجابهتها وليس التقوقع وادعاء الموت/ المرض كما تفعل بعض الحيوانات في الغابة هروبا من اعدائها... هو الحب! ليس بالنسبة لي على الأقل ! بل هو ما قد يفعلة "كبار السن" عادة بأمنيتهم بتوقف الحياة بينما يقومون هم باختبار ما فاتهم في الحياة وهذا ما اراد الروائي ايصاله لنا ويراه البعض "الحياة الحقيقة" او من الممكن ان تكون حقيقية لأنها الحياة تحياها كما ترغب, ولم يخدعنا الروائي فلم يصف هذه الحياة بوصف جميل فهو يدرك حقيقة الأمر فصورها واحسن الكاتب موفق ملكاوي بتلخيصها فهي حياة متوقفة لأفراد ما برغبتهم لأختبار تجربة ما قد تجعل احدهم يرغب بالسباحة سريعا رجوعا الى الشاطىء.
    هذه هي الحياه, فيها الزيف والكذب والخداع وليس من ضامن ان أية تجربة ستخلو من أيها. فاي كان المسارك في الحياة لا تتوقف مثل ذلك التوقف !
    ولا بأس من ان ترتدي الحياه الوجوه المختلفة فأنت بالتأكيد قادرعلى التمييز واجراء التكيف اللازم فلست "ديناصور" لتتذمر وتفشل في التكييف "فتتوقف" بانتظار الحل بانتظار الأفضل فتنقرض .
    لا توقف سفينتك لتعيش تجربة , عش تجاربك وانت تمشي في الحياة , ولا بأس من ان تتوقف من حين الى آخر لشم الورود.
  • »رائعة ماركيز (محمد ملكاوي)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    نعم, القصة تحاكي المشاعر. ان هذا الزمان يتعطش لما قدمه الاخ موفق
  • »فكرة صائبة ومضمون قوي (حمزة مازن تفاحة)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    كم انت راقي يا سيد ملكاوي ، الحب في زمن الكوليرا ...رواية جميلة مثل ما تكتب تماما.
    وانا شخصيا وبما اننا نتكلم عن ماركيز اريد ان اعترف بشيء وهو انني اشعر بالغيرة من ذلك الكاتب العملاق ومن تلك المخيلة التي يمتلكها ويستخدمها بشكل متفرد بشكل كبير واتمنى ان اصل يوما الى تلك الطريقة التي يفكر بها ذلك العجوز القوي ..
    تعجبني جدا يا موفق يا ملكاوي ويروق لي كثيرا ما تكتب .
  • »اكثر من رائعة (روند علي)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    لا يمكن القول إلا أنها رواية أكثر من رائعة ، قدمت لنا عبر قصة الحب الطويلة هذه الكثير من الواقع الأنساني بشكل ساحر من خلال منظور إنساني يغوص في أعماق الشخصيات والتي وجدتها غنية جدا ..
  • »شو زكرك (محمد)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    الكاتب تناول القصه بمنظوره الخاص وما تراه نفسه من ذكريات

    استاذ موفق انت رجل مبدع
  • »شو زكرك؟ (خود)

    الخميس 16 تموز / يوليو 2009.
    الحب في زمن الكوليرا رواية قديمة لماركيز، فما الذي دفع موفق للكتابة عنها الآن بعد مرور كل هذه السنين؟أللتو قرأتها؟...على أية حال، هذه الرواية ليست من قصص الحب الجميلة، لم يكن جميلاً فيها إلا عذابات ذلك الهزيل والتصاقه بحبه الأول ومحاولاته البائسة لنسيان فيرمينابعلاقات مريضة مع نساء أخريات...ثمة قصص حب أروع وأجمل على أرض الواقع..خلف غبارنا العربي تحتجب نساء قضين نحبّهُن حباً، وأخريات قضين حبهن نحباً وهذا لا يحدث إلا هناك عند العرب وأرواحهم العطشى.