جهاد المحيسن

"الاستهلاك" هوية جديدة للعرب

تم نشره في الأربعاء 15 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 الثقافة الاستهلاكية تؤدي إلى إنتاج فرد فاشل عالة على مجتمعه بحيث يقتصر وجوده على الاستهلاك والبحث عن إشباع غرائزه

وصلتني رسالة في البريد الالكتروني من احد الأصدقاء تشير إلى حجم تغول نمط الاستهلاك في مجتمعاتنا، فبعد أن كانت ظاهرة الاستهلاك ترتبط ارتباطا مباشرا بدول "البترودولار" أصبحت تلك الظاهرة حالة عربية عامة. وان صحت الأرقام التي وصلتني فهي تؤكد حجم الكارثة التي تحيق بالمجتمع العربي الذي ما فتئ مثقفوه وسياسيوه يدينون الأنظمة السياسية  فيه والتأكيد على أنها هي السبب الرئيس في جلب الولايات على شعوبها. فهل حقا هذا الادعاء صحيح أم أن المجتمع بحد ذاته قد أصبح مجتمعا استهلاكيا لامباليا؟

   فحالة الاستهلاك أصبحت تعم جميع النواحي المادية والمعنوية، فإضافة إلى المنتوجات الصناعية بكل تجلياتها نجد استهلاك الخبرات والصور والمعاني والثقافة والحضارة والرؤى السياسية.

 لأن الرؤية التي ترى الآخر هي رؤية تتميز بتفضيله على الذات وتمييز إبداعه وابتكاراته على إبداعات وابتكارات الذات التي إن تفوقت على ظروفها وتمكنت من دخول غمار الإنتاج فإنها تصطدم بعدم الاهتمام واللامبالاة والتحقير. ولذلك فإننا نجد أن طموحاتنا الاستهلاكية الكبيرة مسافرة ومهاجرة دائما من دون أن تجد لها مجالا ومكانا تثبت عنده.

استطاع الغرب الصناعي أن يغزونا بإنتاجاته الغزيرة مخاطبا فينا غريزة الاستهلاك والشهوات التي لا تنتهي، ولذلك ابتكر العديد من الوسائل لمواجهة كل محاولات المقاطعة والمعارضة منها الإعلانات التي تصل إلى كل فرد منا وتقنعه بوسائل تعتمد تقنيات الإقناع والقبول التي لا يمكن ردها أو الاستمرار في ردعها لأنها تقنيات مغرية تكاد تتفوق على كل عقل وفكر صلب الاختراق.

ومن هنا نرى أننا قد تمكنا من تبني هوية جديدة إضافة إلى الهويات المتعددة التي يتغنى بها الكثيرون كالهوية العربية والهوية الإسلامية والهوية القومية. فقد أنتجنا هوية استهلاكية محضة ومكناها بفضل فشلنا في بناء اقتصاد وصناعة ذاتية وطنية.

 إذ تشير الأرقام إلى أن الحصيلة الشهرية من الرسائل الخلوية SMS التي تظهر على الشريط الموجود أسفل الشاشة في القنوات الفضائية العربية الهابطة تقارب (8) ملايين دولار! وتكلفة إنتاج الفيديو كليبات الخاصة بأغاني الفن الهابط في العالم العربي تقارب (16) بليون دولار سنويا! وان مجموع الدخل السنوي للخادمات في البيوت العربية هو (35) بليون دولار، أي ما يقارب (3) بلايين دولار شهريا!! وان مجموع ما تنفقه المرأة العربية على مستحضرات التجميل في السنة الواحدة هو (2) بليون دولار (منها 1.5 بليون حصة المرأة الخليجية)!!

في حين تشير الأرقام إلى أن مجموع ما تنفقه الدول العربية مجتمعة على البحث العلمي هو (1.7) بليون دولار سنويا، أي ما نسبته (0.3%) فقط من الناتج القومي الإجمالي وللمقارنة في موضوع البحث العلمي فان  فرنسا تنفق على البحث العلمي ما قيمته  2.7%  من الدخل القومي،  والسويد ما نسبته 2.9% ، واليابان 3% (أي 10 أضعاف ما تنفقه الدول العربية مجتمعة)، وفي إسرائيل 4.7%  حسب إحصائيات اليونسكو لعدت سنوات خلت!     

 في حين بلغ عدد الأميين في العالم العربي (100) مليون، ما يعني أن ثلث العرب لا يستطيعون القراءة ولا الكتابة!!!

وتبلغ عدد الكتب التي يقرأها المواطن الأميركي في السنة (11) كتابا, والأوروبي (7) كتب، أما العربي (الذي ينتمي إلى أمة "اقرأ") فمقدار ما يقرؤه في السنة الواحدة لا يتجاوز ربع صفحة.

وان صحت تلك الأرقام فهذا مؤشر خطير على تغلغل ثقافة الاستهلاك كثقافة راسخة تجعل الفرد تابعا وباحثا عن الجديد ليستهلكه ويتمتع به فيسقط فريسة لسلطة قهرية استعبادية تعتمد كل الوسائل المغرية لإيقاعه في حبائلها وبالتالي إنتاج فرد فاشل وعالة على مجتمعه بحيث يقتصر وجوده داخل مجتمعه على الاستهلاك والبحث عن إشباع غرائزه المتعددة من دون أن ينتج ويبدع. ومن العيب أن يكون ديننا الإسلامي الدين الذي يدعو إلى العمل والإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي ويدعو إلى طلب العلم بينما الذين ينتمون إليه كسالى فاشلون أمام آلة الصناعة الغربية التي وفرت عليهم الاجتهاد والإبداع والبحث العلمي وحفزتهم على ان يصبحوا كائنات استهلاكية بامتياز!

Jihad.almheisen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما ينقصنا (جمال الدهامي)

    الأربعاء 15 تموز / يوليو 2009.
    ما ينقص العرب المشار اليهم بالمقالة هو "الوعي الاستهلاكي",ونهج المبالغة في تراثنا(متى بلغ الفطام لنا رضيعا....)يعبر عن نفسه في كل تصرفاتنا بما فيها ثقافة استهلاكنا ,ان من يتغنى كثيرا كما اشار الكاتب المحترم بالهويات المختلفة ,في قرارة نفسه, لا يملك اي منها,هذا الهدر في كل مظاهر الاستهلاك يشير بدون مواربة الى انفصام في النفسية العربية التي لا تجيد عمل اي شيء ذي قيمة الا انفاق الاموال.