محمد أبو رمان

"وجع" الأردنيين!

تم نشره في الأحد 12 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

القاهرة- يمكن لمن يزور القاهرة بين الحين والآخر أن يلتقط بوضوح حالة التراجع والتدهور المستمرة في أحوال الناس اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً. حتى أنّ الأحياء الراقية والمشهورة بـ"مخمليتها" تسود فيها اليوم حالة من الفوضى والاكتظاظ والإهمال، وتكاد تختفي فيها أية ملامح جمالية.

تبدو القاهرة وكأنّها تتعرض لغزو من مظاهر الفقر والحرمان في أغلب شوارعها وأحيائها. فتجد ملايين الأسر التي تسكن في شروط غير إنسانية، تملأ مباني وزقاق القاهرة وعشوائياتها، وتفتقد إلى "الحد الأدنى" المقبول للحياة اليومية، فيما تتحوّل "بقايا الطبقة الوسطى" المنهكة والمفككة، وكذلك الطبقة الميسورة، إلى إتباع أسلوب حياة أقرب إلى "الجيتو" فتُحصِّن نفسها في منازلها وأنديتها وأجواء المقاهي التي تتردد عليها، وتنعزل قدر المستطاع عن "الفوضى المحيطة".

يلحظ أحد الأصدقاء من المثقفين المصريين أنّ "أغلب الأسر المصرية الميسورة لم تعد تعبأ البتة بما حولها من خراب، حتى لو كانت على أبواب المباني التي تسكنها أكوامٌ من القمامة، والأطفال مكدسون في الشوارع حولها"!

 وتتفق دوائر من النخبة المثقفة المصرية على أنّ الخراب انتقل، خلال السنوات الأخيرة، من السياسة إلى المجتمع، الذي بدأ يعاني أزماتٍ قاسية تحت وطأة ضغوط الحياة وصعوباتها، وما ينجم عنها من تهديد للأمن الاجتماعي.

في المقابل، يتبدّى عجز السلطة في إنقاذ الوضع العام وإيقاف التدهور المستمر إلى الوراء، فتنشغل دوائرها بسيناريو التوريث وتهرب إلى الصراع مع "الإخوان" والتنكيل بهم، والاعتماد حصريّاً على "سطوة الأمن" وسياسة العصا والجزرة.

والحال هذه، ليس غريباً أن تنتشر، اليوم، في المكتبات المصرية عناوين جديدة لافتة حول الانهيار العام والفوضى، فضلاً عن الأفلام التي تشتبك مع بعض مظاهر الأزمة، ولعلّ آخرها فيلم "الفرح"، وإن كانت أغلب هذه الأفلام تتناول العشوائيات، من دون القدرة على تشريح الأزمة التي تسكن القاهرة بأسرها.

من الكتب التي تعاين المشهد وتسبر غوره وتمزج بين الإدراك العلمي والملاحظة الاجتماعية الثاقبة كتاب "وجع المصريين" للطبيب النفسي والباحث د. خليل فاضل، إذ يَعْبُرُ بِجُرأةٍ وإتقان من سطح الحياة اليومية وأزماتها إلى "أوجاع" المصريين ومواطن المرض في أحشاء المجتمع المصري.

يتسلل الكاتب إلى ظاهرة أطفال الشوارع وخطورتها الفاضحة، وإلى أزمة التربية والتعليم، وتفكك الأسرة والمشكلات المرتبطة بالحياة الزوجية، إلى الأمراض النفسية والجسدية التي ترتفع نسبتها بصورة كبيرة في المجتمع، وكذلك نسب الطلاق والعنوسة والزواج العرفي واكتئاب المرأة المصرية وانتشار المخدرات والفساد السياسي والإداري، ويرسم لوحة عامة ويضع خارطة طبوغرافية للمشهد الاجتماعي المأزوم.

أحسب أنّ الوضع في الأردن أفضل نوعياً، لكن ليس مطمئناً، في ظل مؤشرات عديدة، ترتبط بأزمة الإصلاح السياسي والخلل البنيوي في برنامج الإصلاح الاقتصادي.

 والخطر الأكبر يتمثل بأننا (في العالم العربي) نسير إلى وراء، ونغرق في مشكلاتنا وأزماتنا، وتتدهور مؤسساتنا، بينما العالم يسير إلى أمام، ومع مرور الوقت يصبح الخروج من النفق صعباً ويستنكف دعاة الإصلاح، فيما تُترجم تلك الانحدارات في واقع المجتمع وسلامته العامة.

تشعر دائرة كبيرة من النخبة المصرية بالإحباط وخيبة الأمل واستفحال الأمراض الاجتماعية إلى درجة "ميؤوسة". وإذا كانت القاهرة نموذجاً مُتقدِّماً لهذا السيناريو، فهو تحديداً ما نريد، هنا في عمان، أن نقف ضده، فلا نصل إليه، ونبدأ فوراً بتلمّس أوجاعنا وأزماتنا.

آن الأوان للخروج من سجالات سياسية عقيمة إلى استنهاض بديل وطني إصلاحي يحمل لواء "الإنقاذ" يعاين أوجاع الأردنيين ويضع خريطة الحل، فلنقاتل للإصلاح ولفتح أبوابنا ونوافذنا لضوء الشمس والهواء النقي، وإلاّ دفعنا نحن وأبناؤنا جميعاً الثمن غالياً غداً!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المؤشر (محمد خريسات)

    الأحد 12 تموز / يوليو 2009.
    نشكر الاستاذ محمد ابو رمان حقيقه واضحه للقريب والبعيد ماأل عليه الوضع العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مصر الشقيقه ، ونعتقد ان الفساد المالي والسياسي هما السببان الوحيدان لما وصلت اليه الامور لهذه الدرجه ،واشغال المواطنين بأنفسهم سياسه قام بها كثيرون لتمرير مايريدون .
  • »very good essay (nasser obeidat)

    الأحد 12 تموز / يوليو 2009.
    OF COURSE WE LIKE ARAB UNITY BUT SINCE THIS IS THE CASE SO I WISH TO MENTION THAT WISH TO SAY JORDAN FIRST NOT BAD IN THIS STAGE BECAUSE ALL ARAB PROGRESS GO BACK.JORDAN STILL BETTER THAN ALL THE ARAB EITHER RICH OR POOR BECUASE BY NATURE WE ARE HELPFUL PEAPLE BUT IF THERE IS A PROBLEM WILL COME FROM "NAKABAT" THERE TARGET IS TO DEMOLISH JORDAN FOR POLITICAL ISSUES YOU KNOW IT BETTER THAN ME. TRGARDS
  • »نعم (د حيدرالبستنجي)

    الأحد 12 تموز / يوليو 2009.
    حقيقة يا أخي أبدعت في هذا المقال الجميل ونحن هنا في الاردن بدات لدينا بوادر راسماليه متوحشه بدءا من تشكيلة مجلس النواب حتى بعض العطاءات المهمة ونحن امام تحول حقيقي ربما باتجاه النموذج المصري للاسف
  • »الله يحمي الاردن (متري حجازين)

    الأحد 12 تموز / يوليو 2009.
    انشالله بس المسؤولين يسمعوا و يفهموا.....ونرجوا مراجعة قانون الضمان الذي يعتبر بداية التخلف
  • »أبدعت يا محمد (خالد السلايمة)

    الأحد 12 تموز / يوليو 2009.
    حقيقة يا أخي أبدعت في هذا المقال الجميل و وضعت يدك على الجرح الكبير.

    لقد عدت مع عائلتي من الولايات المتحدة إلى عمان في عام 2000 و كان الحماس (لا أقصد الجماعة حماس!) هائلآ حتى أن معظم زملائي الذين يرغبون بالعودة يقوموا بالإتصال بي لمعرفة الأوضاع و كنت على الدوام أحاول جذبهم و بقوة نحو عمان. و بعد مضي 9 سنوات و كما حضرتك تفضلت بدأت أشعر باليأس في إحداث التغيير الذي نريد. و أصبح حالنا إلى الوراء مع ان العالم الآخر يمشي إلى الأمام. أجد صعوبة بالغة الآن في إقناع زملائي الأطباء في الولايات المتحدة بالعودة إلى عمان. و أنا لست سياسيآ و لا رجل إقتصاد و لكن الأمور بالنسبة لي أصبحت واضحة, هل الأردن البلد الأنسب لتربية أولادي للمرحلة القادمة؟ هل أضمن أن أولادي سيأخذون كل ما أريده لهم من الأردن ليصبحوا جاهزين للمرحلة القادمة؟ هل سيكون لأولادي بالمستقبل فرصة متساوية مع غيرهم بالبلد؟ أصبحت عندي الشكوك كبيرة و الخوف أكبر و صدقني لولا القدس و المسجد الأقصى و الخليل لكنت سحبت الأولاد و عشت في الكونغو برازافيل!
  • »كل الحق (اردنية)

    الأحد 12 تموز / يوليو 2009.
    كل ما كتب بالمقال يحاكي الواقع بشكل كبير فقد زرت القاهرة منذ الحوالي الشهر وانتابني شعور مخيف ان يكون كل هذا عاقبة السياسة الخاطئة . فمعيار الحياة الكريمه مرتبط بشكل كبير بحترام من بعيش هذه الحياة.؟.
  • »صدقت يأ أخ ابو رمان (يحيى عموري)

    الأحد 12 تموز / يوليو 2009.
    صدقت يا اخ ابو رمان، واتمنى ان يلقى كلامك صدى عند كل المسؤولين وصناع القرار
  • »نعم .......إنه وجعنا !!!! (العميد المتقاعد فتحي الحمود)

    الأحد 12 تموز / يوليو 2009.
    نصف أبناء جيلي درسوا في مدارس وجامعات القاهرة والاسكندرية ... والنصف الاخر درس في الجامعات السورية واللبنانية ... وقسم قليل ذهب الى الجامعات الاروبية والاميركية.
    فلقد كنت من المحظوظين الذين درسوا سنتين في القاهرة , وسنتين في بيروت !!
    1962 كانت رحلة دراسة " التوجيهي" في القاهرة قبل ان أكمل السنة السابعة عشر من عمري وقد بهرتنا مصر " عبد الناصر "بكل ما فيها من جمال ونظافة وتنظيم وإتساع ... وأكثر ما بهرنا فيه النيل وجماله وما يحيط به من الجانبين !!!
    سنتان من أجمل سنوات العمر ...وعدت لها - لأنني عشقتها - بعد عودتي من دورة في الولايات المتحدة 1969 وكنت قد زرت 50 مدينة في 15 ولاية , وعرجت ايضا على أثينا قبلها ...نزلت في فندق هيلتون النيل المعروف ...فوقفت في فرندة غرفتي المطلة على النيل فقلت لصديقي ( الملازم2 أحمد عبد الحفيظ محمد ) الذي جاء من عمان ليستقبلني بعد غياب 9 شهور عن ارض الوطن - لاحظ الوفاء في تلك الايام - !!! قلت له : يا احمد بعد ان إمتد نظري الى النيل الجميل ....... , ولكن هذا المنظر هو اجمل ما شاهدت !!!!
    ولأنني أحب القاهرة ومن فيها قررت قضاء شهر العسل فيها لمدة 3 اسابيع 1971 ( في مثل هذه الايام ) زكانت الصحف المصرية تشن هجوما شرسا على الاردن ونظامه لاسباب لاأريد الخوض فيها !!!
    كانت الاسابيع الثلاثة عسلا بكل مافي الكلمة من معنى !!!!
    عدت اليها في زيارة خاصة لمدة اسبوعين في منتصف العام (1978) فصعقني ما لمسته من تغير سلبي في جميع مناحي الحياة بسبب ما عرف بسياسة " الانفتاح الاقتصادي " الذي إعتمده الرئيس السادات تمهيدا لتوقيع إتفاقية " كامب ديفيد 1979 " !!! . كانت النتيجة انني أقسمت يمينا مغلظا ان لاأعود اليها وليس الى الشقيقة العزيزة مصر !!!
    فمن عاش في القاهرة في الفترات الاولى السابقة لايمكنه تصور ما وصلت اليه القاهرة منذ العام 1978 وحتى يومنا هذا ... وشعرت بخسارة شخصية لمكان عشقته وشهد لربما " عشقي " الاول !!!
    وعودا على بدء ما حدث في مصر بغض النظر عن الاسباب قد يحصل عندنا .. وأحسب أن بوادره قد بدأت فعلا. فمن يدعي حب الوطن والمواطنين عليه ان يفعل كل شيء حتى لاتتدهور الاحوال الاقتصادية والاجتماعية في بلدنا الصغير ... ولابد من وضع خطة وطنية شاملة لتظل الطبقة الوسطى هي الغالبة في مجتمعنا الاردني حتى لاتتغول طبقة على اخرى لنعاني من تمايز طبقي وإجتماعي مما سيرفع من نسبة الجريمة وبخاصة الجرائم الاقتصادية المنشأ مثل الفقر والبطالة !!!
    أقول قولتي هذه وقد فتح اليوم اخونا محمد جروحا وذكريات لعل ما يكتبه اليوم يكون فيه عبرة لمن يعتبر ... حتى لانجد كتابا في مكاتبنا بعد 10 سنوات يحمل العنوان " وجع الاردن "!!!!!