مشروع التشغيل الوطني وخيبة القطاع الخاص

تم نشره في الأحد 12 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

المعلومات التي عرضها رئيس الوزراء الاسبوع الماضي حول تعاطي القطاع الخاص وتحديدا قطاع المقاولات مع خريجي الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب، تضع اليد على احد مكامن الخلل الحقيقي في العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، حينما تحول هذه العلاقة الدور الاجتماعي للدولة الى حزمة من سياسات الترقيع الاقتصادي التي لا تقوم بشيء أكثر من تدوير الجهد الوطني في دورة متعبة ليصب في نهاية المطاف في جيوب حفنة قليلة من اصحاب المصالح في سوق ما تزال بعيدة عن ممارسة أبسط تقاليد السوق.

تفيد المعلومات أن المشروع الوطني الطموح الذي تبناه الملك وأوكل مهمته الى أكثر المؤسسات الوطنية احترافا مهنيا وصدقا اخلاقيا وهي القوات المسلحة، بهدف سد فجوة التأهيل والتدريب لفئات واسعة من الشباب الاردني في المهن والحرف ذات الصلة تحديدا في مجالات البناء والانشاءات وغايرها، يواجه هذا المشروع بعدما توفرت له كل الشروط والظروف الملائمة تحديات واسعة في توفير العمل للخريجين بعد استمرار القطاع الخاص بتفضيل تشغيل العمالة غير الاردنية، بل الامتناع عن تشغيل الأردنيين وإذا ما تم تشغيل بعض هؤلاء الشباب يتم ذلك على اساس انهم مجرد عمال، ما يفقد المشروع والجهود التي بذلت في سبيله قيمتها، وبالتالي اضافة المزيد على اكوام البطالة.

ازدهر قطاع المقاولات والانشاءات الاردني خلال العقد الماضي بشكل فاق كل القطاعات الأخرى، وراكم اصحاب المصالح فيه ثروات طائلة، واستفادوا من ظروف محلية واقليمية نعرفها جميعا، بينما دفعت فئات واسعة من المجتمع الاردني ثمنها، فيما لا يوجد اي مبررات لفهم ما يحدث من سلوك هذه الشركات، والمتمثل في رفض قطاع واسع من المقاولين وشركات الانشاءات تشغيل الاردنيين الذين تم تأهيلهم وبمواصفات مهنية عالية، فالخلافات بين النقابة ووزارة العمل حول تشدد الوزارة في منح تصاريح العمل للعمالة الوافدة التي تتجاوز نصف مليون عامل في بلد خمس قواه العاملة تعاني من البطالة، لا يبرر للقطاع الخاص التعامل بهذه الذهنية.

التفسير الوحيد لما يحدث أنه في الوقت الذي ذهبت فيه اجيال من الحكومات الاردنية وراء وصفات المؤسسات الدولية لتحرير الاقتصاد ومنح القطاع الخاص كل التسهيلات، لم تدرك الدولة ان الطرف الآخر أي القطاع الخاص في بعض فئاته لم ينضج بعد، وما يزال يحتاج الى المزيد من الطبخ، وهذا ما يوضح كيف تتحول التسهيلات الممنوحة من الحكومات الى سوط تُضرب فيه الدولة والمجتمع معا، بدلا من ان يدرك هذا القطاع ان قوته الحقيقية واستمراره ينبع من قوة المجتمع والدولة.

وبعيدا عن تجميل الواقع، من الواضح ان شركة التشغيل والتدريب الوطني قد حصلت على رعاية واهتمام غير مسبوقين، ووفرت لها الموارد المطلوبة بعد فشل محاولات عديدة لافكار حاولت المساهمة في حل مشكلة البطالة، إذا ما علمنا ان مشكلة العمل هي الام الاولى لمتوالية المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وفي مقدمتها الفقر، ولهذا تم توفير معظم الظروف الملائمة لتحقيق الجاذبية لفرص التدريب المتاحة امام الشباب؛ واهمها توفير الدخل المعقول اثناء التدريب وضمان الجدية والاحتراف المهني الذي يتمثل في مصدرين التزام المتدربين بالانضباط العسكري اثناء التدريب ما يؤكد جدية البرنامج التدريبي، والالتزام بمناهج متقدمة في التدريب المهني معتمدة من وزارة التعليم الفرنسية، ومعترف بها من دول الاتحاد الاوروبي كافة.

 المهم ان المشاريع الاستراتيجية التي تصمم لمواجهة مشاكل عميقة في ادوار الدولة تحتاج الى تهيئة تشريعية متزامنة مع التهيئة الاجتماعية، والدرس الذي نتعلمه من تجربة الشركة الوطنية للتشغيل مع بعض فئات قطاع المقاولين تؤكد الحاجة الى ضرورة توفير المناخ والبيئة الملائمة لمراجعة جذرية لعلاقة الدولة بالقطاع الخاص، اهمها التشريعات التي تحتاج وقفات مطولة، وعلى سبيل المثال لا يكفي ان نربط تصنيف شركات المقاولات بنسب تشغيلها من العمالة المحلية كما تتوجه النية في هذا الوقت، بل يجب ان ينسحب ذلك على  القطاعات الاخرى كافة وبنسب تخضع للمراجعة كل عام وفي كل انماط المهن والوظائف.

Basim.tweissi@alghad.jo

التعليق