رَذيلة "ريكاردو" في تفسير الأسباب

تم نشره في الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

  يسمي الاقتصاديون الخطأ الذي يقع فيه بعض المؤرخين الاقتصاديين بـ"رذيلة ريكاردو" أو تفسير ظهور أمر ما بالوظيفة التي يؤديها. فالعالِم الاقتصادي الشهير والذي عاش في بريطانيا إبان القرنين الثامن والتاسع عشر والمسمى بـ"ديفيد ريكاردو" كان يفسر ظهور النقود على أنه نتاج لعجز نظم المقايضة عن تسهيل آلية البيع والشراء في الأسواق، فجاءت النقود لتكون وسيلة دفع يقبل بها الجميع.

  وقد يكون هذا صحيحاً. ولكن النقود لها وظائف أخرى، فهي وحدة قياس لأسعار السلع والخدمات أو تكاليفها، وهي كذلك مستودع قيمة. ولم يكن ظهور النقود والقبول بها قائماً على تلك الوظائف. أما الحقيقة التاريخية فقد تنجم عن صدفة محضة وجدت لها تطبيقاً واسعاً.

  ونسمع نفس المنطق في الجدل السياسي حول الأسباب التي دفعت البريطانيين في عشرينيات القرن الماضي الى فصل الانتداب الأردني عن الانتداب الفلسطيني. ويقول لنا بعض المحللين وهم كثر إن الأردن منح ذلك الانتداب ليكون المتنفس لاستيعاب زلزال إسرائيل من النواحي الديمغرافية والانسانية والعاطفية والسياسية والأمنية، وحتى لو كان هذا صحيحاً، ونحن بحاجة الى إثبات ذلك، فإن الأردن قد أصبح له كيان وتاريخ وهوية ووظائف كثيرة أعقد من أن تحصر في مجرد أن يكون وعاءً مستوعباً للهزات القادمة من فلسطين، أو الحاضنة للمشاكل الناجمة عن حلول سِلمية في المستقبل. والاستسلام لموقف تاريخي نقبله كنوع من "التراث الشعبي" من دون تحقق أو استقصاء لا يكفي بحد ذاته لتفسير الانتداب، حتى ولو ثبتت صحة الرواية التاريخية.

    والأردن الآن أعقد وأصعب من الأردن البسيط الذي كنا عليه قبل تسعين عاماً. وأي كيان في العالم بقي على حاله في العقود التسعة الأخيرة؟؟.

   كنا في العام 1920 أقل من (200) الف نسمة، ونحن الآن نناهز الملايين الستة. كنا لا ننتج شيئاً، والآن تعقد اقتصادنا وتنوع حتى فاق مجموع تجارتنا الخارجية الـ(13) بليون دينار. وكان كثير من أطفالنا يموتون من حمى الحصبة، أما الآن فنحن نفخر بأعلى معدلات حياة للأطفال. كانت عمان بالكاد جبلين، والآن تناهز الثلاثين. وكانت الأراضي لا تكاد تساوي دراهم معدودة وتقدم كقطعة نقدية لسداد دين أخذ لشراء حاجة أساسية، والآن صارت بعض الأمتار القليلة تباع بمئات الألوف.

  لقد كنا نظاماً إدارياً هشاً، ولم نجد كثيراً من اهل المعرفة في الادارة، والآن نخرج عشرات الالوف ونصدر مئات الألوف من الخبرات الرجالية والنسائية في مئات التخصصات الدقيقة. ولم يكن لدينا دستور، ولا قانون أساسي، ولا قوانين ولا أنظمة، والآن نملك واحداً من أرقى دساتير العالم، ونظام حكم يشهد له العالم بالعدل والتسامح والفاعلية.

 إن إغلاق الأعين والقلوب والعقول داخل صندوق شبهة تاريخية نريدها أن تحدد علاقاتنا مع أنفسنا، ومع مستقبلنا وحاضرنا وماضينا، ومع جيراننا، ومع خططنا لبناء أنفسنا، يجعلنا نرتكب خطأ أكبر بكثير من "رذيلة ريكاردو". هذا البلد الأردن بكل مكوناته، بقوته ونقاط حساسيته، بنظامه وشعبه، بمؤسساته وموازنته، برموز سيادته وأغانيه الوطنية، بأعياده وذكرياته، بعلاقاتِهِ وتحدياتِه أكبر من أن يكون محكوماً لانطباع عن فكرة تاريخية.

  لقد تجاوزنا ذلك التاريخ بآلاف الكيلومترات، وعشرات العقود من الزمن، وآلاف التشريعات، وبلايين المعاملات. نحن بلد موجود وسيبقى. ولم نعد ساحةً خلفية لأحد، ولم نعد نفزع ان اغلقت علينا حدود، أو حُشِِدَت على حدودنا الجيوش، أو هددنا في رزقنا أحد كائناً من كان.

 والسؤال الذي يبقى: لو افترضنا أن فصل الانتداب الأردني عن الانتداب الفلسطيني لم يحصل .. فماذا سيكون عليه حالنا اليوم؟.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Dr Jawad (Hamza)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    Sir, it is a relief finding you back in public service though through different approach-
  • »The Recardian Vice (انمار تميم)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    The term Ricardian vice, which refers to the English economist
    David Ricardo (1772–1823), was coined by Joseph
    A. Schumpeter in his History of Economic Analysis (1954).
    It was intended to highlight Ricardo’s alleged habit of
    introducing utterly bold assumptions into an already oversimplified
    representation of the economy and treating
    these as givens when in fact they are unknowns.
  • »الامر معكوسا (كفاح الجبلي)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    يا دكتور يبدو ما تقوله للوهلة الاولى صحيحا ، لكنني حين أمعن النظر أجد ان المسألة فعلا لها علاقة بالنشأة ، و أعتقد ان المقدمات الصحيحة تفضي لنتائج صحيحة و العكس بالعكس ، ليس للامر علاقة حتمية بالتقدم و المعاملات و الادارة ، للامر علاقة بالنشأة و بنظرة الشعوب لذاتها .

    لك بكل بساطة ان تنظر للعراق ، هذا الذي بدا لنا كالمستحيل العصي على التفكك ، ها هو ذا رغم كل ما يبدو من مناخ التفاؤل و الانفراج بل و الانسحاب ، الا ان العراق قطعة زجاج (كسرت) ، تلك هي الحقيقة.. انه كسر في الهوية نلمسه في عدد " المراجع" و المرجعيات و الارتباطات الاقليمية ، نلمسه في كل تفجير بالقرب من حسينية او سوق في بلدة سنية ، لقد كسر العراق ، ان الدول تكسر ، يتآكلها خطأما في أمسها ، أتعلم ما هو ؟؟ انه خطأ النشأة الاولى و المحرك الاول و المقدمة الاولى لنشأتها اساس كل ما بنته لاحقا ، العنصر الاول في تشكل وجدان ابنائها ، هذا الخطأ الاول هو اللعنة ، هو خطأ ريكاردو ، لم نرتكبه نحن البسطاء ، و لكن غيرنا من توقع انه يمكنه ان يبني على كذبة ، حقائق و قوانين، و ها هو التاريخ يؤكد نفسه و قوانينه في الهدم و العمران !!!!!