موفق ملكاوي

بيت موسى

تم نشره في الخميس 2 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 

لم يكن وحيدا فحسب، ولكنه كان أيضا من دون ساكنين يعطرون جنباته بضوضائهم. كان بلا دعوات تصطدم بسقفه حين تبدأ بالتصاعد التدريجي، ومن دون أمنيات أن يكبر يوما.. فقد هجره ساكنوه إلى غير رجعة، نزحوا باتجاه العاصمة، ونسوا أن بيتهم أصبح يبابا.

غرفة طينية وحيدة تقف وسط الحي الصغير، وتراقب بصمت غير محايد تحركات الجميع وطقوسهم اليومية المكرورة، وربما تأسى على ماضٍ كانت الغرفة فيه مصدر حياة.. أو بعض حياة.

كانت الغرفة تتاخم الملعب الصغير الذي يبسط فيه الأطفال أحلامهم على التراب العاري من الزرع، ليمارسوا ألعابا، تبدو اليوم بدائية لا تجدها سوى في منطوق الموروثات.

"بيت موسى" ببابه المشرع دوما ونافذته العارية، ندخله، فنتنسّم فيه رائحة الساكنين القدامى، ونتذكر قافلة الراحلين ونحن نعانق ذاكرة لم تحالف وجودنا، إلا أن الحكايات المتواترة ساقتها إلينا، فأصبحت جزءا من وجدان جمعيًّ نحن الصغار أيضا.

ينتصب البيت بأعوامه العديدة وشيخوخته المديدة، في منتصف القرية شاهدا على مواسمها وخلافاتها، أفراحها وأحزانها. ويتكون من غرفة طينية وحيدة كبيرة الحجم بباها، ونافذتها المخلوعة، وسقفها "القصيبي" المنسق.

ندخله لنمارس هوايتنا في حفر أحرف أسمائنا الأولى وأسماء حبيباتنا "المفترضات" في طين جداره الداخلي.  ونبحث بين جنباته عن ذكرى ماضية وتاريخ قديم.

إلى "بيت موسى"، ننطلق كل صباح، لنمارس ألعابنا، فكأنما هو مسرح أو صالة للألعاب.

كان الملجأ لألعابنا وأسرارنا؛ فعلى جدرانه الأربعة يمتلئ الطين بالخربشات، المقروءة أحيانا، والدارسة في أحايين كثيرة، حيث يطبع من يستطيعون الكتابة ما أرادوا فوق طينه الدافئ.

نتدبر أمرنا في الصعود إلى سطحه، لنرمي المارين من الدرب الترابي الضيق المحاذي له بالحصى الصغيرة، أو لنبول جميعنا على التراب، ونراقب الماء في هبوطه إلى الأرض.

وفي لعبة "الاختباء" يظل "بيت موسى" من أسلم الأماكن للاختباء، حيث نستطيع مراقبة الجهات جميعها، وإذا ما تقدم أحد من اتجاه الباب ليستكشف، فإنك تستطيع التسلل خارجا من النافذة. وتغيير مكان اختبائك بسهولة.

في أحد الأيام، هطل المطر بغزارة. كان النهار موشى بالسحب، وسكان القرية ينعمون بالدفء إلى جانب مدافئ الحطب الكبيرة.

وفجأة دوى صوت عالٍ في سماء القرية.

خرج كثيرون لاستطلاع الخبر، تجمهر أهل القرية أمام "بيت موسى"، وهم يطرقون حزنا.

كانت الجدران الأربعة، ما تزال منتصبة بشموخ لمواجهة الأمطار والهواء، ولكن السقف استقر على الأرضية، معلنا حالة من الفوضى في جو الغرفة القديمة.

"لا حول ولا قوة إلا بالله، تهدم البيت المبارك".

كان الحزن والفجيعة مقروءين بوضوح في ملامح القرويين البسيطة وهم يودعون أكثر من قرن، هو زمن صداقتهم مع البيت الحميم. يودعونه، وهم يتحسسون حجارته المتبقية، متذكرين جميع الوجوه التي توالت على الاحتماء بجدرانه الدافئة على مدى الأعوام المتوالية.

ولا يتبقى أمام الجميع سوى الاحتماء من غضب الطبيعة.

فيتوجهون إلى بيوتهم، تاركين لأفكارهم مداعبة الذكريات المغموسة بالفرح حينا، وبالأحزان أحيانا كثيرة.

وليتبقى "بيت موسى" شاهدا على حوادث القرية؛ بجدرانه الأربعة العتيقة المتبقية، وشموخه الطويل.

m.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يوميات الاغتراب في ذاكرة المكان (ربى احمد)

    الخميس 2 تموز / يوليو 2009.
    ايها الموفق
    هو الحنين الذي يعترينا..

    للمكان ذاكرة أيضاً.. يبادلنا الحميمية والدفء والحنين كما نبادله..
    ربما أرقى العلاقات التبادلية بين الموجودات هي علاقتك كإنسان بالمكان. بدءاً من الأرض التي تزرعها مروراً بالبيت الذي تعمره.
    وكلما منحت المكان جديداً بادلك الذاكرة، الذاكرة المخلصة لوجودك، التي قد تشيخ قبلها أو تُهدم قبلك. الذاكرة التي لا يمكن لأي مكان أن يبادلها لأي كانيين بالسوية ذاتها.
    وربما لذاكرة المكان صلة بتمييز موهوب عن آخر، وبقدرته على كتابة الرواية بدلا من الشعر. وربما لها أساس بتباعد تشكيليين ينتميان للمدرسة ذاتها تبعاً لعلاقة كل منهما بالأمكنة التي يحب.
    ويظل المكان أكثر تضحية وإخلاصاً ممن غادروه طواعية، ويزداد جمالاً وأصالة وتعتقاً لمن غادروه مشردين، ولمن مستهم الدنيا بوباء غربتها. ويغدو حزيناً منكسراً أمام من ظللهم أصحاب أمكنة أخرى بيوميات الاغتراب.
    ولكن متى تتشابه الأمكنة؟
  • »رائع انت (عبدالله)

    الخميس 2 تموز / يوليو 2009.
    كم ذكريني بقريتي ..
  • »حنين يعترينا (حنين موفق)

    الخميس 2 تموز / يوليو 2009.
    ايها الموفق

    هو الحنين الذي يعترينا...

    هو الندى الطهور حين يشرق على أبواب قريتي فيكتبنا ونكتبه..

    هو عشق البلدة...

    الحنين عالم آسر عذب لذيذ…..

    لا يتقن الغوص في اعماقه الا المبدعون.

    دم متوهجا بالابداع...
  • »كانت ثمة حياة (محمد عبيدات)

    الخميس 2 تموز / يوليو 2009.
    غرفة تشبه الزنزانة !!
    كانت تلك بيتي الاول في المدينة..


    وكانت ثمة حياه
  • »حنين (حنان حمزة)

    الخميس 2 تموز / يوليو 2009.
    أفتقد جدا شكل الدنيا فى الماضى .. ولست أدرى ان كان هذا شيخوخة فى العشرينات .. أم أنه حنين طبيعى الى دنيا أهدأ ..
  • »نفتقدها (عامر ماضي)

    الخميس 2 تموز / يوليو 2009.
    ما أكثر الأشياء التى تفتقدونها فى الماضى .. و تروا أن الدنيا كانت أحلى به ؟؟؟
  • »حلو (رلى)

    الخميس 2 تموز / يوليو 2009.
    عن جد نص حلو
  • »مفام الشيخ صالح (روند العزام)

    الخميس 2 تموز / يوليو 2009.
    لم ادري لماذا وانا اقرا ما كتبت تذكرت ما كتب وقيل يوما على لسان احدهم في بلدة تدعى حوفا الوسطية أن مقام الشيخ صالح الذي كان يقال له وهو طفل "من دخل هذا البناء وأمسك كفن أحد الشهداء.. سيخرج الدم منه ويدخل في عيونه ليفقد بصره" سوى قصه خرافية لإخافة الأطفال وإبعادهم عنه.
    بهذه الكلمات بدأ حديثه عن هذا المكان الأثري الذي مر عليه قرون من الزمن.. ويوضح الحاج أبو نضال المطالقة أن لهذا المقام قصصا كثيرة يتداولها أهل القرية فيما بينهم.. فهي كانت في القديم كنيسة رومانية مهجورة دفنت فيها امرأة وأربعون شهيدا.
    وحول هذه القصة يبين المطالقة أن هناك امرأة تدعى صالحية لها شقيق استشهد في إحدى المعارك التي وقعت في روضة شعيب بين الطيبة وحوفا.. وعندما قتل شقيقها أرادت دفنه في هذا المقام فنقلته من موقع المعركة إلى هذه المنطقة.. وعند وصولها وجدت أن هذا الشخص الذي نقلته لم يكن شقيقها فأضطرت أن تعود إلى الموقع وإحضار أخاها..وبقيت هذه المرأة على هذا الحال إلى أن وصل عدد الشهداء أربعين شهيد فدفنتهم في المغارة الموجودة في داخل المقام ودفنت هي بجانبهم.
    ويضيف "عندما كنا نقترب من المقام يقول أهالينا لنا.. هنا أربعون شهيدا وأخوتهم.. ملفوفين بقطن.. ومن يمسك القطن يدخل دمهم في عيونهم".
    ومن القصص الطريفة الأخرى التي قيلت عن هذا المقام يقول المطالقة "كانت نساء القرية يصنعن الجميد والكشك ويضعنه في الساحة القريبة من المقام كقربان وحماية للشيخ صالح.. وعند الصباح تأتي النساء لتفقد القربان.. فلا يجدن شيئا منه".. ويضيف المطالقة وهو ضاحك "في الواقع الشيخ صالح ما أخذ القربان.. بل كان الحرامية من يسرقوه".
  • »ذكريات (عمر ملكاوي)

    الخميس 2 تموز / يوليو 2009.
    (كانت الحياة ستبدو رائعة لو أننا عرفنا ما نفعل بها)
  • »الاطلال (يوسف العواد)

    الخميس 2 تموز / يوليو 2009.
    الحياة سلسلة من الحنين والشوق والذكريات. ومهما حاول الانسان ان يبتعد عن المكان الذي عاش فيه فانه يبقى اسيرا له.فهو المسرح التي تمت فيه فصول الحياة بكل تفاصيلها واحداثها بحلوها ومرها.انها الاطلال المتناثرة هنا وهناك . وكل طلل يحكي قصة.