"العدالة والتنمية المغربي" وتحولات الإسلام السياسي

تم نشره في الأربعاء 1 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

التنازل عن مطلب أسلمة الدولة لا يلغي الرغبة والتوجه القائمين حول مطلب "أسلمة المجتمع".

لم يعد لدى جيل العدالة والتنمية ما يربطه بجيل أتباع حسن البنا في مصر العشرينيات وأتباع جيل المودودي في باكستان الأربعينيات، فتسمية الإسلاميين تحيل إلى التنوع والاختلاف أكثر مما تحيل إلى الاتساق والتناغم.

إسلاميو بنكيران (زعيم العدالة والتنمية) اليوم يعقدون المؤتمرات الحزبية في القاعات العمومية المفتوحة بدلا من الحلقات السرية في المنازل المغلقة، التي كان يعقدها سابقوهم وبعض من قياداتهم، ممن ينحدرون من جيل شبيبة السبعينيات، ويضعون برامج انتخابية قد تقودهم إلى كراسي السلطة بدل مخططات جهادية، كان من المفترض أن تقودهم إلى الجنة. مدجنون وفق منطق خصومهم وواقعيون وفق منطق مناصريهم.

إسلاميو التوافق هم اليوم حزب في مملكة أمير المؤمنين. الدولة الإسلامية قائمة في المغرب فما الداعي إلى إعادة ابتكار العجلة؟

ككل الأنساق الممكنة، قد لا يخلو نهج إسلاميي التوافق من بعض المعقولية، وفق نظر مبدعيه ومن يناصرهم على الأقل. فماذا يتبقى لك لتفعله حين تكون من تعتقدها ورقتك الرابحة قوة ضاربة في يد خصمك، وهل كان عبد الكريم مطيع (معلم بنكيران وإخوانه) جادا حين أعلن الثورة الإسلامية قدرا للمغرب. ألم يكن الإسلام قدرا للمغرب منذ مجيء الأمير العلوي إدريس الذي لم تكن له من مقومات بناء الدولة سوى شرعية دينية قابلة للانتقال عبر النطفة بما يجعل من مقولة عاش الملك، مات الملك ناموسا لتاريخ المغرب السياسي والديني.

لقد وضع نهج مطيع الحركة الإسلامية المغربية في خضم أزمة هوية تتجاوز آليات الفعل ورد الفعل إلى جدوى الوجود نفسه. فالإسلاميون، وفقاً له، هم منفذو مشيئة الله في الأرض وأمير المؤمنين ظل الله على الأرض, لكن الله واحد والأرض واحدة، فلا مناص من أن يؤمن أحدهما على الأقل بسطوة الآخر.

وفق هذا كله لم يكن من الممكن لمجموعة بنكيران تحقيق هويتها الخاصة وأساس وجودها إلا من خلال حسمها لموقفها من إشكالية إمارة المؤمنين بالمغرب، فقد خيم فراغ نظري هائل على أدبيات جمعية الجماعة الإسلامية التي غطت فترة الثمانينيات من مسار إسلاميي التوافق. وكانت بداية الطريق ولادة جديدة للجمعية المذكورة أريد لها أن تكون محملة بالعبر.

مقولة "الإصلاح والتجديد"، التي اتخذت اسما للحركة في نهاية الثمانينيات، تبدو صادمة حين تصدر من حركات رامت طيلة تاريخها تأصيل الحاضر باسم الماضي، إلا إذا كان هؤلاء قد راجعوا تاريخهم وتحرروا من إواليات الخطاب الإسلامي في نسخته الكلاسيكية، التي تحيل على أدبيات البنا والمودودي وسيد قطب.

وفق منظري أطروحة فشل "الإسلام السياسي"، فحالة إسلاميي التوافق لا تعدو أن تعزز القاعدة: فشل الإسلاميين المريع في تحقيق "الجنة" التي وعدوا بها أنصارهم على الأرض منذ بدايات القرن الماضي، فالأنظمة المصنفة كافرة من قبل جيل المؤسسين قد أضحت واقعا ممكنا للاشتغال وفق قاعدة أخف الضررين، والجنة الموعودة أضحت كراسي السلطة المسيجة بالتوافقات والتنازلات.

وفق من يؤمنون بقدرة التيار الإسلامي على انتشال الأمة من متاهات التيه، فإسلاميو التوافق بالغرب في مكانهم الصحيح. النظام المغربي حكم طويلا من دون الإسلاميين حين كان له الخيار، لكنه يحكم اليوم بمعية الإسلاميين حين لم يعد لديه الخيار، والتأثير من الداخل أيسر وأسلم والتنازل عن مطلب أسلمة الدولة لا يلغي الرغبة والتوجه القائمين حول مطلب "أسلمة المجتمع".

إن الإسلاميين وفق هذا التوجه في أقوى حالاتهم، فالنظام بكل تاريخه وشرعيته. أما بالنسبة لمن ناصبوهم العداء، فالإسلاميون هم الإسلاميون، ولا شيء تغير على الإطلاق. كل ما هناك أنهم أضحوا أكثر مناورة وقدرة على تحقيق المكاسب بأيسر وأسهل الطرق. وواهم من اعتقد بإمكانية تنازل هؤلاء عن جنتهم الموعودة. 

* باحث مغربي بجامعة مونتريال بكندا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مشروع منبر الحرية

 www.minbaralhurriyya.org.

التعليق