تواطؤ المال والسياسة!

تم نشره في الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

 

تصرخ الطفلة الفلسطينية هبة ومعها أم ثكلى فوق رمضاء الأنبار، لكن الصرخات سرعان ما تتلاشى أمام الحواجز الحدودية العربية، ولا يصل منها شيء، وتبقى الأمور على ما هي عليه بل وتزداد تعقيدا، وتذوي آمال الطفلة وأمها وهما تعيشان في واقع مضمخ باليأس في مخيم الوليد، الذي لجأ إليه فلسطينيو العراق منذ ثلاث سنوات هربا من قتل ممنهج في بغداد وتحريض ضد الوجود الفلسطيني برمته في العراق.

نائحة اخرى، لكنها عراقية على امتداد جغرافيا اللجوء في سورية، تحاول عبثا أن تجلب الانتباه الى معاناتها وان تستعطف القلوب، بعد ان فقدت اولادها وبيتها واستقرارها في العراق ومعها ملايين من العراقيين الذين شردوا بعد العدوان الاميركي على ما كانت تسمى البوابة الشرقية للعالم العربي.

وفي ذات الصراخ، تنطلق حناجر مليون ونصف المليون غزي كل لحظة داعية الى إنقاذ اهل غزة من مأزق الحصار ونكد العيش، بيد ان تلك الصرخات لا تلق آذانا رسمية او حتى غير رسمية، ويظل العالم العربي يمارس حياة يومية رغيدة معزولة تماما عن أنات الألم التي تحاصره من كل جهة بفعل انماط الاحتلال القديمة والجديدة للانسان العربي قبل انتهاك الجغرافيا.

المفوضة العامة للاونروا، كارين ابو زيد، كانت اطلقت عشرات التحذيرات منذ عدة شهور بسبب عجز في موازنة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين يفوق مائة مليون دولار، واذا تذكرنا ان الوكالة تقوم على رعاية نحو 4.5 لاجئ فلسطيني في مناطق عملياتها الخمس، فإن هذا العجز سيؤثر على حياة هؤلاء اللاجئين وقدرتهم على الصمود، ولم يقف الأمر عند التحذيرات بل تعداه الى الاضرابات بعد ان تعذر تأمين رواتب موظفي الوكالة للشهور اللاحقة، ورغم كل هذه التطورات لم تقدم الحكومات العربية ولا القطاع الخاص العربي أي اضاءة تساعد الوكالة في تجاوز اللحظة الراهنة.

ويزيد حزن المرء عندما يعلم ان الدول العربية مجتمعة تبرعت باقل من 1% من مجموع التبرعات العالمية للميزانية العامة للاونروا العام الماضي، وهو ما يشير الى ان النظام الرسمي العربي لا يأبه لمعاناة اللاجئ الفلسطيني، وليس معنيا ايضا بدعم صموده في الشتات تمهيدا للعودة ان تحققت.

في مخيمي الوليد والتنف كما في غزة وفي مناطق الاونروا الخمس وعين البارد وغيرها من جغرافيا الشتات الفلسطيني والعربي، تسمع أنات المحرومين والمقهورين ولا تجد من يساعد على التخفيف منها، ويتشابه فيها على نسق مريب موقف بيئة المال والاعمال ورجال الاقتصاد، وهو العجز الذي تجاوز عجز الحكومات، فهؤلاء يتفرجون على المشهد ولا يقدمون أي حلول او مساعدات او اغاثة لمنظمات اجنبية تسعى لمساعدة اللاجئ العربي على الحياة.

تنشغل البرلمانات العربية ومنها برلماننا في تفاصيل صغيرة ومعارك وضيعة لا علاقة لها بهم الناس وألمهم، وتتسابق الاحزاب العربية في عقد ندوات بفنادق فاخرة تعيد التأكيد على اهمية الحفاظ على حق العودة صباح مساء، ومقابل ذلك، تتنافس الشركات العربية على صرف الملايين لرعاية برامج تروج لأصوات ناشزة وتعيد انتاج جيل من الشباب لا علاقة له بواقعه.

أصوات اللاجئين القادمة من صحراء اللجوء العربي لا تجد من يسمعها، ولكن الهواتف المحمولة في غير دولة عربية تتسابق للتصويت لصالح صوت أبله، وينطوي المشهد على ما يشبه التواطؤ الذي تتشابه فيه رداءة المال والسياسة معا، فيما الواقع العربي يتفاعل باتجاهات اكثر تعقيدا لا سيما على صعيد المعاناة الانسانية جراء هذا الواقع.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »و لهذا السبب بدأت التنازلات! (خالد السلايمة)

    الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2009.
    سلامات أخ حسن,

    و بعد طول إنتظار بدأنا نتفق!

    أولآ اشكرك على طرح هذا الموضوع الهام و الحساس و الذي يدل على إنسانيتك و وطنيتك.

    ثانيآ: أنت تكتب في سنة 2009 عن التواطؤ العربي و أثره على الفلسطيني و العراقي, و لكن يا أخ حسن أيقن القادة و الساسة الفلسطينيون منذ عقود أن هناك تواطؤآ كبيرآ عربيآ و دوليآ! فماذا هم فاعلون؟ هل يتركوا شعبهم "مرمي" في الشوارع و الصحاري يقتات الفتات و يتجبر بهم الناس و يقتلهم من يقتلهم!؟ هل يستطيع الفلسطيني الضعيف و المشرد و الجائع أن يفكر في أي شيء (ناهيك عن التفكير عن المقاومة) و هو مشحًر في الصحراء؟. إذا كانت حماس و بضخامة أهدافها قد تنازلت بعد 22 سنة من تأسيسها عن 70% من فلسطين بعد ما شاهدت و عايشت و أيقنت و ذاقت الأمرين من التواطؤ العربي أولآ و الدولي ثانيآ. يا أخ حسن, يقول المثل "شو اللي جابرك عل المرً؟ قالهٌ اللي أمر منه"!

    مرة أخرى شكرآ على طرح هذا الوضوع المؤلم و الذي أدعو إلى الله أن يفك أزمة هؤلاء الناس في هذه المخيمات.
  • »سلمت (فايز الفايز)

    الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2009.
    شكرا للزميل العزيز ابو فارس .. لا لما كتبت فحسب ، ولكن لتجشمك عناء السفر ألفا كيلومترا عن عمان لترصد بعين الكاميرا والتوثيق معاناة الفلسطينيين الذين لم يكلف أحد نفسه ذرف دمعة على وضعهم في مخيم الوليد ، الذي يجاور منطقة اسمها " اليعربية " فأين اليعربية من هذا الغثاء الذي أصبح لا هم له سوى كيف يأكل واين يبول .
    تقريرك الذي بثته فضائية الجزيرة يدمي قلب من عاش بقليل من الشعور الانساني ، فلك الأجر يا صديق .. ولكن
    يجب ان يفهم الجميع والجميع هنا هم قادة العرب اننا نعرف تماما ان اسرائيل لها اليد الطولى بكف المساعدة والدعم عن الاونوروا حتى تحطم صفة اللجوء عن أصحاب الارض التي اغتصبتها وشردت ملايين العرب من اصحابها اصحاب فلسطين ، فكيف لشخص واحد ان يخسر ستة مليارات دولار في غضون سنة واحدة ولا يقدم ربع الربع من المليار مساعدة فريضة لهؤلاء العرب الشرفاء الذين تشردوا بعد تكالب الأمم عليهم .

    شكرا لك على مقالاتك الرائعة