نادر رنتيسي

ليتني ما كنتُ أوسم من عادل إمام!

تم نشره في الجمعة 26 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

أنا نادم، وفي حياتي، التي لا تتعدى عقودها أصابع يد مبتورة أطرافها، لم أندم حد الرغبة بالتهام كفي إلا عندما تركتُها تذهبُ، وتتأخر في وداعي عاما كاملا، تمعنُ في حفر صورتها وتفاصيلها لتجعل من خيالي قالبا لها أركبُ عليه النساء؛ مَنْ على مقاسها تبقى، ومن تكون أقل شأنا من قامتها الصغيرة تسقط سريعا!

كل يوم أحدِّق في أصابع كفي، وأندم لجُبْني على عدم التهام واحد منها، علَّ مكانه الفارغ يقرعني لأنني لم أستبق امرأة، جعلتني أبكي كالنساء أنثى لم أحفظها كالرجال حين "استعجَلَتْ الزواجَ"؛ وكنتُ أخف كثيرا من عبئه..!

لكنني لم أفرط في التعذيب المازوشي، فبعد عام تركتني تماما، وكنتُ خلاله أُشهِرُها للناس، وأصيغ حكاياتنا في قصص تخففني من وقاري الزائف، ذلك الذي جردتني منه طفلة في الثالثة والعشرين، تبتهجُ حين أوجزها بأنها "صْغَيِّر وملعَّبْ"، وأنها أيضا امرأة "خطيرة الأوصاف"، من فصيلة سعاد حسني، ترقص بدلال "زوزو" تطير فتنتها مع الهواء، تفرِّغ بالي إلا منها، فأركض "على أعصابي" ولا أبلغها إلا حين أصيرُ "واد وتقيل"!

هكذا كنتُ دائما مهزوما؛ وحين أهزمها في مرات قليلة، أدوخُ وراءها، أرجوها أن "تكبِّر عقلها"، وأقسم، صادقا، أن النساء بأثرها "ذرّات رمال"..؛ فتضحك ضحكتها التي تختصر الدنيا في رأسي، ليبدو خفيفا، وأخف من دمعة ضحوك، تباغتنا ونحن نشاهد فيلم "المشبوه"، ويكون "دلعها" على اسم سعاد حسني. تمتلئ، ويصبح صوتها، المميز في نحوله، أشد رِقة؛ فـ "بطة" أصبحتْ "ساندريلا"..

أبتسم بلؤم مُبَيِّتا لها نكدا بالغا؛ أكررُ قسمي أنها جميلة، لكنها ليست أخطر من سعاد حسني، وإمعانا في هزيمتها أقر أنني لستُ وسيما، لكنني، بأدنى حال، أكثر وسامة من عادل إمام!!  

"يا دِبْ" تقولها بغيظها الشهي، فأضحكُ كثيرا؛ لكنني الآن نادم، ففي الفيلم ذاته يدعو عادل إمام "بطة"، أو سعاد حسني، إلى فراشه فتمتنع غاضبة، مفضلة النوم على "الكنبة". يتجهمُ ساخرا: "خليها تنفعك"!

وعادل إمام، أو أنا من نامَ على "الكنبة" في الواقع، لا في الفيلم، فتمضي سنوات قليلة، أكونُ خلالها أثقلُ من عبء الزواج، ويصير بإمكاني أن أشتري سريرا واسعا، لكني أدركُ أنه لا يستوعبني وحدي..!

أعود إلى "الكنبة"..، أجلسُ عليها إلى الآن، وكنتُ قد شربتُ شايا مع النساء، وغادرْنني سريعا، ولم أسعَ لاستبقاء واحدة منهن، وفضلتُ النومَ مقرفصا على "الكنبة" أنظر إلى أصابعي الرقيقة أحاول التقاط لحظة شجاعة تحثني على قضم واحد منها، علّ من فراغه تنبتُ "بطة" ضاحكة، وأحارُ إنْ كانت ساخرة أو متعاطفة؛ فهي عندما كانت تنتصرُ علي، وكثيرا ما كانت تؤول إليها النتيجة في عنادنا اللذيذ، تمدُ كفها إلي كي أقف..، وتستبقيها حتى أقبِّلها!

.. وأقبِّلُ الآن باطن كفي المكتملة الأصابع!

لكنني ما أزال أواظبُ على لقاء نساء، أكون خلال حديثي غير المترابط معهن، أنظرُ إلى هاتفي، أترقبُ أنْ يرنّ بأغنية محفوظة باسمها؛ كنُا نتحدى من سيُسْمِعُها للآخر حين يؤوب نادما. ترن كل الأسماء التي أحفظها بأغنية واحدة، فلا يصدحُ صوت المغني شامتا:" قول رجعت تاني ليه يا حبيبي"!

ويرنُّ الهاتف، بالأغنية التي أحفظها لكل الأرقام، حتى ذلك الذي يخدعُني كل أشهر، وفي كل مرة يأتي برقم خاص بلا ملامح، يجيء مباغتا مثل حلم سريع لا أتذكر منه إلا صوتها..، وصوتها جاءني أخيرا ملأ الدنيا في رأسي. أحمل الهاتف بكفي، المكتملة الأصابع، لا أملك إلا أن أقبِّل صوتها، وأقسم أنها "بطة"، وأجمل من سعاد حسني، وأنني نادم، أشد الندم، لأنني أوسم من عادل إمام!!

Nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الى ربى احمد مقاطع أكثر من رائعة (ابو قنوه)

    الجمعة 26 حزيران / يونيو 2009.
    ربى احمد:"الحب أن يتجاور اثنان لينظرا في الاتجاه نفسه. لا أن يتقابلا لينظرا الى بعضهما البعض"
    ...... تعبير أكثر من رائع تمنيت لو كنت انا قائلها :) ... تقبلي احترامي
  • »لا تعليق (موسى محمود)

    الجمعة 26 حزيران / يونيو 2009.
    فعلا لا تعليق
  • »الرجل الشرقي (منى)

    الجمعة 26 حزيران / يونيو 2009.
    الرجل الشرقي مكون من تناقضين غريبين يجب ان لا يجتمعا.قليل الثقة بنفسه عندما يجد من تحبه.فيعتقد ان هذا الحب ليس له وحده دون العالم ويخشى ان من تحبه كل هذا الحب قد تحب اخر, فيتركهاليبحث عن اخرى لا تظهر الحب.معتقدا انها عصيه على الاخرين وستكون له وحده.وواثق بنفسه كل الثقه انه سيجدتلك التي ستحبه عندما ينوي الزواج.وينصدم ان من اختار لن تطهر له الحب لانهالم تحبه هي فقط اختارت الزواج لانه الهدف اللذي تنشدوليس الحب.من يجد الحب يجب ان لايدعه يضيع فهو لا يأتي الا نادرا.
  • »الخطأ الثاني (رنا سمارة)

    الجمعة 26 حزيران / يونيو 2009.
    الندم هو الخطأ الثاني الذي نرتكبه- أحلام مستغانمي
  • »شيئا من النسيان (ربى احمد)

    الجمعة 26 حزيران / يونيو 2009.
    ".. جلسنا حول طاولة مستطيلة.. لأوّل مرّة ألقينا نظرة على قائمة الأطباق.. ونظرة على قائمة المشروبات.. ودون أن نُلقي نظرة على بعضنا.. طلبنا بدل الشاي شيئاً من النسيان.. وكطبق أساسي كثيراً من الكذب... وضعنا قليلاً من الثلج في كأس حُبنا ..وضعنا قليلاً من التهذيب في كلماتنا.. وضعنا جنوننا في جيوبنا.. وشوقنا في حقيبة يدنا.. لبسنا البدلة التي ليست لها ذكرى.. وعلّقنا الماضي مع معطفنا على المشجب.. فمرَّ الحبُّ بمحاذاتنا من دون أن يتعرّف علينا..

    ...نظرنا إلى ساعتنا كثيراً نسينا أنْ ننظر إلى بعضنا بعض الشيء اعتذرنـــــا لأننا أخذنا من وقت بعضنا الكثير ثـمَّ عُدنــا وجاملنا بعضنا البعض بوقت إضافيٍّ للكذب. لم نعد واحداً.. صرنا اثنين على طرف طاولة مستطيلة كنّا مُتقابلين عندما استدار الجرح أصبحنا نتجنّب الطاولات المستديرة. الحبُّ أن يتجاور اثنان لينظرا في الاتجاه نفسه. لا أن يتقابلا لينظرا الى بعضها البعض" "

    ايها النادر..تفاجئنا دائما ..
  • »كثير علينا كل هذا الكَذب (ربى احمد)

    الجمعة 26 حزيران / يونيو 2009.
    .."تسرد عليّ همومك الواحد تلو الآخر ..أفهم أنني ما عدتُ همّك الأوّل ..أُحدّثك عن مشاريعي ..تفهم أنّك غادرت مُفكّرتي ...تقول إنك ذهبت إلى ذلك المطعم الذي.. لا أسألك مع مَن ..أقول إنني سأُسافر قريباً ..لا تسألني إلى أين

    ... فليكـــن.. كان الحبّ غائباً عن عشائنا الأخير ..نــــاب عنــه الكـــذب ..تحوّل إلى نــادل يُلبِّي طلباتنا على عَجَل

    كي نُغادر المكان بعطب أقل...

    في ذلك المساء ...كانت وجبة الحبّ باردة مثل حسائنا ...مالحة كمذاق دمعنا ..والذكرى كانت مشروباً مُحرّماً

    نرتشفه بين الحين والآخر.. خطأً
    ..
    عندما تُرفع طاولة الحبّ ...كم يبدو الجلوس أمامها أمراً سخيفاً ...وكم يبدو العشّاق أغبياء ..فلِمَ البقاء كثير علينا كل هذا الكَذب ..ارفع طاولتك أيّها الحبّ حان لهذا القلب أن ينسحب"
  • »طيب ... وبعدين !!! (محمد البطاينة)

    الجمعة 26 حزيران / يونيو 2009.
    عموما المقال شخصي جدا وهذا شأن الكاتب ولكنني اشك كثيراُ انه اوسم من عادل امام ...... تحياتي لكل ال ( دباديب) الذين تجعلهم ال ( بطات) اخف كثيرا من ريشة يتلاعب بها الهواء
  • »على الوجع (ahmad)

    الجمعة 26 حزيران / يونيو 2009.
    هاي المقالة على الوجع
    بس بالك بيوم من الايام رح يرن التلفون على النغمه
    بتمنى
  • »تشبيه جميل وافلام عادل امام (سعد العورتاني)

    الجمعة 26 حزيران / يونيو 2009.
    من اين تأتي في هذه الجمل والكلامات والتعابير المتناصقه
    من اين تأتي بهذا الاسلوب الرائع في الكتابه احسنت في اختيار فيلم المشبوه

    للتشبيه او التعبير في قصه الحب الموجوده

    وفيما انه ذكر اسم عادل امام اقول :

    لو ننظر الى جميع افلام عادل امام لا نجد بيها شيء واحد

    مفيد او ذو مغزى جميل او نهايه ذات قيمه او قصه نحكيها الى اولادنا

    او موضوع يناقش داخل المنزل عند مشاهدة افلامه

    ارجو مشاهدة فيلمه (بوبوس( نجد فيه كوميدا قديمه ساخره

    غير مضحكه ويعيد في فيلمه مشاهد كتير نفس الحركات قد قدمها

    في افلامه السابقه التي لا معنى لها في رأيي

    اعد حساباتك يا عادل امام واترك المجال لمن هم اقدر منك

    من اصحاب الجيل الحالي من امثال

    احمد حلمي وهنيدي وغيرهم