ماذا لو تغيّرت إيران؟

تم نشره في الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

 

من المبكر لأوانه، بطبيعة الحال، الحديث عن تغيّر إيرانيّ. فاحتمالات قتل الانتفاضة بالقسوة والقمع واردة بالتأكيد، وسيناريو الحرب الأهليّة بعض ما لا يمكن استبعاده.

مع هذا يجوز لنا أن نفترض سيناريو آخر، بل أن نحلم بسيناريو آخر، مفاده خروج إيران سليمة معافاة من أزمتها مع انهيار النظام الحاليّ لصالح حكم تعدّديّ وديمقراطيّ، مسالم وغير توسّعيّ.

في هذه الحال لن يكون من المبالغة الكلام عن كسب صاف لهذه الأمّة الغنيّة والحيويّة، كسبٍ يمنحها الحريّة ويعكس بأمانة خيارات شعبها وإراداته فيما يصون ثرواتها ويردّ إليها أبناءها ونُخبها ممن دفعهم الاستبداد إلى المنافي في الخارج.

أمّا إقليميّاً، فسوف يكون لحدث ضخم كهذا مفعول سحريّ لجهة الاسترخاء الذي يُحدثه في مفاصل العلاقات الدوليّة عموماً، لا سيّما إذا ما سُحب الملفّ النوويّ ودعم الحركات المتطرّفة في الجوار من التداول لصالح التركيز على التنمية والإنفاق عليها. وهذا ما سوف يريح منطقة الخليج برمّتها، مبعداً عنها مخاطر العسكرة النوويّة وما تجرّه من إنفاق هيوليّ على التسلّح، ومبعداً أيضاً التوتّر المذهبيّ الزاحف كالسرطان على الجميع، مع إتاحة الفرصة، نظريّاً على الأقلّ، للتفكير الهادئ، في سائر الخليج، بتذليل التفاوت المذهبيّ والاجتماعيّ على أنواعه.

والعراق، بطبيعة الحال، سيكون على رأس قائمة المستفيدين من تحوّل إيرانيّ كهذا، بحيث تشيع أجواء أكثر صحّيّة وأقلّ حساسيّة في ما خصّ تطوير الوطنيّة العراقيّة العابرة للمذاهب والطوائف. وهذا ما يجد أوّل انعكاساته على الأمن والاستقرار بطبيعة الحال، خصوصاً إذا ما تعاملت القوى الأخرى بانفتاح وإيجابيّة مع التطوّرات الخارجيّة.

أمّا سوريّة، فتجد نفسها مدعوّة بإلحاح، ليس قائماً اليوم، لأن تعاود الانشداد إلى محيطها العربيّ، ومن ثمّ اتّباع سياسات أقلّ تطرّفاً وممانعةً في سائر القضايا التي تعنيها. وينسحب هذا، في صورة خاصّة، على لبنان حيث يجد "حزب الله" نفسه مضطرّاً، وقد فقد دعمه الماليّ وملهمه الإيديولوجيّ، إلى نزع سلاحه والانخراط الفعليّ (لا الاسميّ على ما هي الحال اليوم) في الحياة السياسيّة اللبنانيّة. وفي فلسطين، يفتح التحوّل الإيرانيّ باباً لتراجع القوى والسياسات المتطرّفة التي تجسّدها "حماس"، بما يتيح للسلطة الوطنيّة وضع أوراق أكثر في يدها، ومن ثمّ تحسين موقعها التفاوضيّ حيال تشدّد بنيامين نتانياهو. وأغلب الظنّ أن حدثاً كذاك يجعل الإسرائيليّين يخفّفون من تزمّتهم الذي يتذرّعون بالسلاح النوويّ الإيرانيّ للمضيّ فيه، فإذا لم يفعلوا ضعفت حجّتهم في تبرير التزمّت.

وعلى صعيد آخر، يتأدّى عن تغيير السلطة في إيران بداية ضمور الإسلام السياسيّ والنضاليّ، ومباشرة إعادة الاعتبار لبعض القيم الحديثة والعقلانيّة في السياسة كما في الاجتماع والأفكار على مستوى العالم الإسلاميّ ككلّ. ذاك أن انهيار أكمل نماذج الإسلام الأصوليّ في الحكم والسلطة سيخلّف، بالتأكيد، ارتدادات ومراجعات تبدأ ولا تنتهي.

صحيح أن ذلك السيناريو، وكما يقال بالانكليزيّة، أفضل من أن يكون حقيقيّاً. لكنْ، وكما قلنا في البداية، لا بأس بشيء من الحلم، خصوصاً إذا ما استندّ الحلم إلى قدر معقول من الواقعيّة ومن الجدّ.

التعليق