عيسى الشعيبي

المجتمع الصحافي بين الأمس واليوم

تم نشره في الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009. 02:00 صباحاً

 

على خلفية موقف الصحافة الراهن وتفاعلاته الجارية إزاء مجلس النواب، تستطيع عين الكاتب الصحافي على وجه الخصوص، ربما من دون غيرها من عيون المتابعين لمجريات هذه الأزمة غير المسبوقة بين طرفين غير متكافئين، رؤية مدى التطور الذي قطعته هذه الشريحة المتورطة بمهنة الحرف، حتى لا نقول مهنة الفقر، على طريق تحقيق ذاتها، واكتساب مكانتها الاجتماعية اللائقة، ومن ثم نيل درجة الاعتراف بجدارتها، من لدن الدولة والمؤسسات: الأهلية منها والرسمية على حد سواء.

إذ يشعر المشتغلون بمهنة الصحافة والكتابة اليوم، في حمأة هذا السجال المتواتر بين صحفهم ونقابتهم من جهة والسلطة التشريعية من جهة ثانية، بقدر كبير من الاغتباط والرضى عن النفس، ناهيك عن الإحساس الكبير بالثقة والاستحقاق، لما آلت إليه مكانة المجتمع الصحافي على درجات السلم الاجتماعي من تقدم تدريجي مع مرور الوقت، وراكمته مؤسسات الصحافة من قوة ناعمة على مدى الشوط الطويل، وبنت عليه لنفسها والعاملين لديها من عناصر هوية ذات احترام واسع، بعد طول تجاهل وتقليل شأن، بلغ في مراحل مبكرة حد الاستخفاف بالقلم والنون وما يسطرون.

ويذكر بعض من اختاروا لأنفسهم مهنة المتاعب هذه، وكابدوا كثيراً على دروبها الشاقة، كيف كان ينظر الآخرون لمهنتهم هذه في السابق، وكيف كانوا يبخسونهم حقهم، ويطلقون على الصحافة صفة مهنة الذين لا مهنة لهم، وأن كلام كتابها " كلام جرايد "، وأنهم مجرد فائض لا لزوم له، إلى الحد الذي وصف فيه أحد الظرفاء مادة الصحافة، ذات مرة متندراً، بأنها المهنة التي تحتوي على نوعين من الكلام: أولهما "كلام فاضي" وثانيهما "كلام مليان كلام فاضي"، في إشارة لا تعوزها الدلالة أبداً إلى مدى تواضع ما بدت عليه مكانة الصحافة في حينه، وهامشية وضعية العاملين في بلاطها محدود الموارد والإمكانيات آنذاك.

غير أنه بفضل تضافر عوامل مختلفة المصادر، بعضها منجز ذاتي من صنع الصحافة نفسها، وبعضها الآخر عنصر موضوعي من إنتاج تطورات معرفية وتقنية وثقافية تراكمت في سياقين متلازمين: الأول التغيرات العميقة في البنية الاجتماعية المحلية، بما في ذلك تنامي قوة المجتمع المدني، والثاني انفجار ثورة المعلومات بتداعياتها الكبرى، نقول بفضل ذلك كله تمكنت الصحافة من انتزاع دور متعاظم لها، ومن بناء حاضنة اجتماعية سياسية اقتصادية مواتية لوظيفتها المركزية، التي انتقلت بها وبمنابر الإعلام مجتمعة من وضعيتها كأداة اتصال إلى هويتها كمنبر للرأي العام، وأخيراً إلى ميزتها كجهة رقابية ذات شكيمة يحسب لها الحساب.

وهكذا، وفي غضون نحو عقدين من الزمن، انتقلت الصحافة، بصورتها الكلية، من كونها "كلام جرايد" لا يزن ما هو أكثر من مثقال الحبر الذي يكتب به، إلى مقامها الحقيقي كسلطة رابعة بكامل النصاب، وذلك إلى جانب السلطات الدستورية الثلاث، تؤدي بكفاءة وجدارة تامتين أدوارها الأساسية المتعارف عليها، أداة اتصال ومنبر للرأي العام وجهة رقابة يكاد وزنها يعادل وزن السلطة التشريعية بوظيفتها الرقابية، إن لم يكن أشد فاعلية، وذلك لما تتميز به الصحافة غير المتثائبة من حيوية وقدرة موضوعية على المتابعة والكشف وتسليط الأضواء على مكامن الخلل وبواطن سوء الأداء.

ولولا هذه المكانة التي استحقتها الصحافة بالعرق والصبر وعناصر القوة الأدبية والمادية المتراكمة لديها مدماكاً فوق آخر، لما كان لها أن تغضب لنفسها، هكذا كما تغضب الآن، ضد الافتئات عليها وعلى حقوقها المكتسبة، ولا كان في مقدورها أن تنقل هذا الغضب المشروع من مستوى دَرَك الشكوى والتظلم إلى فضاء الفعل الاحتجاجي المنظم ضد التجاوز عليها واغتصاب جزء من مواردها، وتعزير العاملين فيها تحت القبة، من جانب المؤسسة الدستورية الأولى، أو قل من جانب مجلس نيابي لم يجد لديه كيس ملاكمة، لتفريغ شحنات هواجس بعض أعضائه، أو تبديد مخاوفهم إزاء تزايد المطالبات بحله، سوى كيس الصحافة هذا الذي كف عن كونه محل " فشة خلق "منذ زمن غير قصير.

وأحسب لو أن هذا الخلاف المشروع بين السلطتين: الثانية والرابعة، نشب في زمن ما قبل اشتداد ساعد الصحافة، ونيلها جدارة الاستحقاق كسلطة رقابية ذات مسؤولية رفيعة، لما كان لمؤسسات الصحافيين ونقاباتهم، هذه الجرأة التي لا تعوزها المقدرة العملية لاختبار النفس، ومن ثم اتخاذ مثل هذا الموقف، الذي من شأنه أن يؤسس في نهاية مطاف هذه الأزمة المحدودة بالضرورة الموضوعية، لعلاقة بينية في إطار السلطتين آنفتي الذكر، قوامها الندية والاحترام والاعتراف المتبادل، على قاعدة تكامل الأدوار لا تصادمها وانسجام المصالح لا تعارضها، وذلك في إطار من التنافس الشفاف المكرس لخدمة المجتمع والدولة، من دون تغول أو استقواء أو تربص.

وليس من شك في أن هذه الواقعة التي لا تعرف مثيلاً لتطبيقاتها الحضارية سوى المجتمعات الديمقراطية المتقدمة ذات المؤسسات المدنية الحقيقية الفاعلة، سوف تعكس نفسها بصورة أطيب على صورة الأردن الخارجية، كبلد أكثر حرية وتعددية وتوازناً بين سلطاته وقواه المدنية، من معظم دول محيطه العربي، حيث يتم هنا تسجيل بادرة تثير اهتمام الجوار، وتشد أبصار الصحافيين العرب نحو مثال يمكن محاكاته إذا ما اقتضته أوضاع صحافتهم. وفوق ذلك كله تدوين سابقة تحظى بالإعجاب وتنتزع التقدير والاحترام، وتزيد من أرجحية الأردن كرائد يمضي بتؤدة وثبات على دروب التطور الديمقراطي وتعميق الحريات، حتى وإن شاب المشهد بعض أوجه القصور والمراوحة والارتكاس.

[email protected] 

التعليق