موفق ملكاوي

مرور متأخر

تم نشره في الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

"أنت دائما هكذا يا (رسول)؛ إما أن تأتي مبكرا كثيرا، أو متأخرا كثيرا".

هكذا قالت له قبل أن تغيب خطاها في لجة جبلين كسولين، وإشارة ضوئية معطلة.

ولم يكن يحسن الركض. حاول تصريف أمور لا تنصرف، ولملمة شظايا غادرها الأمل، فاستل عطر الكلام الوحيد، وغناه لها من غير أن يتعثر بهمزة.

ولكنه ليس ملهما؛ خانه الكلام، وخانته البلاغة، فجدّف على قلبها من غير أن يدرك أنه "سيزيف" ناقل الصخرة الأبدي، ومبتكر الملل: الصخور كنّ نساء يحملهن تباعا إلى التعميد، فيرمينه جميعا قبل المغطس. لم يعر الأمر انتباها كبيرا، لكنه لم يدرك أنه سوف يتحول إلى "إيساف" ذات لقاء، ويتحجر تدريجيا أسفل المذبح.

من أقاصي الأرض الشمالية جاء محمّلا بأوهام فلاحين طيبين يسرقون الصباحات من خانة الوقت كي يزهر صوانهم في لجة أمنيات ميتة.

من شمال لم يدر أن الأرض كروية، فما يزال يجري حساباته بالدونم المستأجر، ومن أرض لا تنبت سوى الزيتونة الكسولة والزعتر والتبغ الذي يصْلُب التراب ويتركه بورا، ولكنها ما تزال تعتقد حتى اليوم أنه لا يلمع سوى الذهب.

جاء حاملا تعبا يرميه على أبواب مدينة لم يستطع، حتى بعد عشرين عاما، أن يتصالح معها.

كانت معه عصاه ما غيرها، إلا أنه فقدَ غنمه في الطريق، ولم يعد يهشّ بها سوى على نفسه.

ولا وزراء له سوى أحزان مبعثرة، كان يلملمها كلما عنّ على باله التذكّر؛ تلك قصة أخرى خرقت كل أعراف الانسيابية لتستلقي فوق راحته دائما.. وإلى الأبد.

معذّب ما يزال، بين "أنساك"، و"حاول تفكر" تنتشلانه من لجة إنشائيات حاول القلم على مدى أعوام صباغتها بأصفر فاقع لونها، تعيد إلى النفس كآبة خريف وجد فيه كثيرون جماليات لم يستطع هو تلمسها.

كاذبون هم الرفاق الذين تغنوا بالخريف وبورقه الأصفر اللامع؛ بهتان يسقط أمام أول صفعة لمحقق شاب ما يزال يتدرب على التبسم والقمع وملء استبانات منظمات حقوق الإنسان بإشارات "الصح" في المربعات الفارغة.

وما يزال يتذكر..

أول اللقاءات، وآخر اللقاءات، وما بينهما من طقوس وثنية اختبرا فيها جنون اللحظة ولهاث المسافات.

يتذكر أول المرات التي امتدت فيها يده متلمسة أصابع مرتعشة.. ويتذكر عينين زاغتا، وقلبا خفق، فسكت عن الكلام؛ صريحه وغامضه.

"أول الغيث قطرة"، ولكنه حين وجده مدرارا كدَلْفٍ في سقف فقراء، توجس خيفة من أُعطية الحياة، ووضع يده على قلبه وهو يحسب لنهاية محتومة تأتي كما الولادة والإنفلونزا والجلطات السريعة.

كانا يختبران صداقة المدينة بأحيائها الخلفية وشوارعها غير المنارة، ويهربان من رقباء كثر آلوا على أنفسهم أن يترصدوا الدفء في قلوب تبحث عن خيارات جديدة للحياة.

وعلى غير عادته، ترك لقلبه أن يسحبه حتى آخر المزهريات، من دون أن يتزود للطريق ببعض التوجس. فأزهر أوهاما حصدها تباعا.

ولكنه حين آب إلى رشده، لم يستطع أن ينسى أنه غنى هناك أغنيات حبّ حقيقية، ولما أشار إليها مودعا، قال: "عُدّي على أصابع اليدين.. فأولاً..".

mwaffaq.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شيئ خارق (حنان)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    "عندما ابحث في حياتي اليوم,,,أجد أن لقائي بك هو الشيء الوحيد الخارق للعادة حقاً. الشيء الوحيد الذي لم أكن لأتنبأ به، أو أتوقع عواقبه عليّ. لأنَّني كنت اجهل وقتها أن الأشياء غير العادية,,,, قد تجر معها أيضا كثيرا من الأشياء العادية .

    ورغم ذلك ....
    ما زلت أتساءل ,,,أين أضع حبك اليوم ؟
    أفي خانة الأشياء العادية التي قد تحدث لنا يوما كأية وعكه صحية أو زلة قدم.. أو نوبة جنون؟
    أم .. أضعه حيث بدأ يوماً؟

    كشيء خارق للعادة, كهدية من كوكب, لم يتوقع وجوده الفلكيون. أو زلزال لم تتنبأ به أية أجهزة للهزات الأرضية ."
  • »مرور متأخر (حنين)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    ما زلت أذكر ما قراته يوما عندما عدت ثانيةلاقرا ما كتبت.
    ايها الموفق،
    ""الحب هو ما حدث بيننا. والأدب هو كل ما لم يحدث".
    يمكنني اليوم, أن أقول :
    هنيئا للأدب على فجيعتنا إذن فما اكبر مساحة ما لم يحدث . إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب .
    وهنيئا للحب أيضا ...

    فما أجمل الذي حدث بيننا ... ما أجمل الذي لم يحدث... ما أجمل الذي لن يحدث .

    قبل اليوم, كنت اعتقد أننا لا يمكن أن نكتب عن حياتنا إلا عندما نشفى منها ."
    عندما يمكن أن نلمس جراحنا القديمة بقلم , دون أن نتألم مرة أخرى .

    عندما نقدر على النظر خلفنا دون حنين, دون جنون, ودون حقد أيضا .

    أيمكن هذا حقاً ؟
    نحن لا نشفى من ذاكرتنا .
    ولهذا نحن نكتب, ولهذا نحن نرسم, ولهذا يموت بعضنا أيضا ."
  • »مالم ينشر (نادر)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    يتذكر أول المرات التي امتدت فيها يده متلمسة أصابع مرتعشة.. ويتذكر عينين زاغتا، وقلبا خفق، فسكت عن الكلام؛ صريحه وغامضه.
    "أول الغيث قطرة"، ولكنه حين وجده مدرارا كدلف في سقف فقراء، توجس خيفة من أُعطية الحياة، ووضع يده على قلبه وهو يحسب لنهاية محتومة تأتي كما الولادة والإنفلونزا والجلطات السريعة.
    كانا يختبران صداقة المدينة بأحيائها الخلفية وشوارعها غير المنارة، ويهربان من رقباء كثر آلوا على أنفسهم أن يترصدوا الدفء في قلوب تبحث عن خيارات جديدة للحياة.
    وعلى غير عادته، ترك لقلبه أن يسحبه حتى آخر المزهريات، من دون أن يتزود للطريق ببعض التوجس. فأزهر أوهاما حصدها تباعا.
    ولكنه حين آب إلى رشده، لم يستطع أن ينسى أنه غنى هناك أغنيات حبّ حقيقية، ولما أشار إليها مودعا، قال: "عُدّي على أصابع اليدين..".
    ما لم ينشر
    حب حقيقي...
  • »نمللك حياة واحدة (روان العلي)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    ".. نحن لا نملك إلا حياة واحدة، ولو كان لنا أكثر من حياة لأمكنني أن أزرع حبي حتى يعم الجميع.. يكفيني أن يظل حبي حيًّا في كل ققصائدي.. لم يعد أمامي الكثير من الوقت لأكتب عن التفاهات".
  • »كلمات (عامر عبيدات)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    إن الإنسان في حاجة إلى عامين ليتعلم الكلام وإلى ستين عامًا ليتعلم الصمت، وأنا لست ابن عامين ولا ابن ستين عامًا.. أنا في نصف الطريق، ومع ذلك فيخيل إلي أني أقرب إلى الستين؛ لأن الكلمات التي لم أقلها أغلى على قلبي من كل الكلمات التي قلتها".
    رسول حمزاتوف هو قائل هذه الكلمات,,فما اجمل ان تبدا من كلمات قالها رسول الحب
  • »الحب (عادل الضايع)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    مع هذا استطيع ان اقدم نصيحة الى الناس :



    الحب هو عقارنا الشافي من المحن "فهنيئا لمن عرف طريقهللحب
  • »الحزن دائما (لانا السيد)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    كل حب وانت بخير
    الحزن دائما يغلب في كل ما تكتب ..هل لنا بالفرح يوما دون تدخل الحزن
  • »سعادة الحب (رمال)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    ايها العزيز موفق
    ما اجمل ما كتبت شكرا للغد التي اعظتني فرصة لقراءاتها اليوم
    املأ فؤادك بالسعادة وافرح بالذة الوصول
  • »جمعة رائعة (شعاع)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    جمعة رائعة __ان نرى اسمك ثانية اليوم ونتمنى ان تكتب اكثر من يوم في الاسبوع فكتاباتك حتى لو كانت تنقص بعض الكلمات هي رائعة
  • »يا ريت (ليليان)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    يا ريت الغد كل خميس ما تنشر مقالتك كاملة لتعود لتنشر اليوم الثاني.

    يوم جميل نرى اسمك ثانية