الإنسان الذي يعلم نفسه بنفسه

تم نشره في الخميس 11 حزيران / يونيو 2009. 02:00 صباحاً

 

لماذا يجب أن يتعلم كل تلميذ في المدارس المهارات والعلوم نفسها التي يتعلمها جميع التلاميذ؟ لماذا يدرس الطلاب في الجامعات المقررات نفسها ويقدمون امتحانا واحدا؟ كيف تعبر المهارات والإجابات القياسية عن احتياجات الأفراد والمصالح والأعمال والمجتمعات؟

لم تكن المناهج المقررة والكتب الدراسية والامتحانات اختيارا مثاليا للتعليم، ولكنها أملتها ظروف ومحددات لم تعد موجودة، فعندما لم يعد معظم الناس وربما جميعهم قادرين على توفير مصادر التعلم والمعلمين وفق احتياجاتهم الفردية المحددة تكفلت الدولة بتوفير التعليم للمواطنين.

بالطبع فإن الدولة لا يمكنها أن توفر لكل تلميذ في المدرسة وطالب في الجامعة المدرسين والمصادر والأدوات التعليمية، فقد فرضت أنماطا قياسية للتعليم وتوفيره للمواطنين على النحو الذي تعتقد أنه يوفر احتياجات معظم الناس ومعظم احتياجات الدول والمجتمعات، ولكن ذلك أصبح من التاريخ برغم أنه مايزال مطبقا في جميع دول العالم، فالكمبيوتر والإنترنت والبرامج التعليمية يمكنها أن توفر مدرسة خاصة لكل فرد تقدم له بشكل خاص ومميز المناهج والخبرات والمهارات والعلوم والمعارف التي يريدها ويحتاجها وتتفق مع مستواه الخاص به والمرحلة التي يعيشها، وبمرونة لا يقدر عليها بشر وبمستوى من الصبر والاحتمال لا يمكن لأفضل المعلمين تطبيقه.

التعلم الذاتي والمشخصن لم يعد برنامجا إضافيا يمارسه الإنسان إضافيا بعد العمل والتعليم النظامي (هل بقي نظاميا؟) ولكنه بديل للمدارس والجامعات لا يلغيها، ولكنه يغير من دورها جذريا، ويتيح عددا غير محدود من التخصصات والبرامج التعليمية تساوي بل تزيد عن عدد الناس جميعهم.

وكما أن الإنسان يتميز ببصمته وحدقة عينه وصوته وصورته وخريطته الجينية فإنه بحاجة لتعليم خاص به يتفق مع تكوينه الخاص والمميز، ويناسب احتياجاته وتطلعاته الخاصة به، ويتفق مع مستواه من الذكاء والقدرات وسرعة تعلمه ومشكلاته الخاصة به، وهنا سيكون دور الجامعات والمدارس والمعلمين مساعدة الطالب في تصميم برامجه التعليمية وتحديد احتياجاته ومصادره بالمشاركة مع التلاميذ والأسر، فهي ستكون مؤسسات لتصميم البرامج التعليمية وتوفيرها والمساعدة في تطبيقها والمشاركة في التفكير بالاحتياجات التعليمية وتوفيرها، ولكن العملية التعليمية ستكون ذاتية تماما يمارسها كل إنسان بنفسه، لقد ارتقى الإنسان بنفسه للدرجة التي أصبح قادرا على تعليم نفسه بنفسه.

واذا كانت التكنولوجيا مهمة لتطبيقاتها ومتوالياتها أكثر مما هي اكتشاف علمي مذهل، فإننا أمام مرحلة إنسانية بالغة العمق في تحولاتها ومعناها، لا تقل عن أهمية ختم النبوة على سبيل المثال، فكما أن توقف الأنبياء يعني أن الإنسان لم يعد بحاجة لواسطة من السماء تعلمه الدين والحكمة فإنه اليوم يتلقى العلم من داخله، وليس من الخارج، إنسان جديد.

إنها مرحلة في حياة الإنسان ومسار البشرية لا تقل أهمية عن ظهور الدين، فكما غير الدين بحياتنا وسلوكنا ونظرتنا إلى الأشياء، فإننا اليوم نمعن في تغيير حياتنا وسلوكنا وفهمنا للمعلومات والمعارف وتقييمنا للموارد والأعمال،.. ما الذي أوصلني إلى هذه النقطة وأنا أتحدث عن التعلم الذاتي والمشخصن، ولكنها تداعيات تسوق إلى تساؤل عميق وجذري يتجاوز بكثير مسألة استخدام الكمبيوتر والحوسبة ولكنها المرحلة التي تجعل الإنسان مختلفا عما كان عليه اختلافا كبيرا في كل شيء تقريبا.

لنفكر على سبيل المثال في معنى وجود الآوت لوك على أجهزة جميع العاملين في المؤسسات، ألا يعني ذلك إلغاء الهرمية والتراتيبة الإدارية في العلاقات والتواصل داخل المؤسسة وأن هيكل المؤسسة نفسه يتحول من هرم إلى شبكة تجعل الجميع مراكز على قدم المساواة، وكأننا نتحدث عن وعد نيتشه عن "الإنسان السوبر"، المتفوق، أو لنقل الإنسان الذي يرقى بنفسه، ولكن إلى أين؟

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام كبير (ابو السعود)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    ومن الاسهل عدم التفكير به فلماذا التغيير والتطوير ووجع الراس ؟