جميل النمري

العقد الثاني والمراجعة: صراع الحداثة والتخلف

تم نشره في الأربعاء 10 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

 

كان يمكن للمراقب أن يمر على تعبير  "المراجعة الشاملة" كما ورد في خطاب جلالة الملك  من دون ان يتوقف على نحو خاص عنده  لولا ان حديثا يدور بالفعل منذ بعض الوقت عن وقفة مراجعة وحزمة توجهات جديدة  بمناسبة مرور العقد الأول لعهد جلالة الملك عبدلله الثاني.

الأردن من أكثر دول المنطقة أمنا واستقرارا ويملك نظاما سياسيا راسخا تكرست الثقة به  بالاستمرارية التي شهدها عهد الملك عبدلله الثاني وعبور المحطات المزلزلة في المنطقة من دون  متاعب جدّية. وربما كانت تفجيرات فنادق عمّان هي الاستثناء الذي أكّد القاعدة، فلم ينجح الارهاب والتطرف في بناء قاعدة له في الاردن بينما اظهرت المؤسسات الأمنية مهنية واحترافا مشهودا، وتابعت المؤسسات الدستورية أدوارها الثابتة، ولم يكن تغوّل جهات أو اشخاص بدرجة أو أخرى الا ظواهر عرضية ومؤقتة ما دامت الديمقراطية والحريات المكفولة تتيح التصدّي لها وتصويبها، وقد قطع الأردن شوطا واسعا في التحديث وينظر له في الخارج بتقدير واحترام كمجتمع وبلد معتدل وعامل استقرار في المنطقة.

جهود التطوير تنجح في الاردن، وقد شهدنا توسعا وقفزات في عدّة مجالات، لكن بقدر ما يتقدم الاردن فانه يعاني من استمرار عجيب للتناقض بين عناصر الحداثة والتخلف. ولو بدأنا من التعليم  فالتوسع بالتعليم الجامعي شهد قفزات بينما البيئة الجامعة واساليب التعليم ما تزال تعاني من التخلف، وقد دخل الكومبيوتر من أوسع الأبواب وأصبح ومعه الانترنت جزءا راسخا من ثقافة اطفال اليوم لكن التدريس الصفّي التلقيني يبقي البيئة المدرسية

متخلفة بمسافات عن العصر؛ هذا اذا لم نتحدث عن  تعايش عناصر الحداثة والتخلف المريع في بعض المناهج.

واذا انتقلنا الى المؤسسة النيابية عنوان الديمقراطية  فان الانتخابات التي تكرس مبدأ المشاركة والمحاسبة تأخذ دورة بعد اخرى منحى اكثر تخلفا، ومن العبث افتراض أن مجتمعا يتقدم اذا كانت الحياة السياسية فيه تتخلف، وربما في هذه المساحة تتبدّى ذروة الافتراق بين اتجاهين. فالبلاد تتحصل على  نخب من المتعلمين والمتخصصين المؤهلين بصورة  تبعث على الفخر، وفي الوقت نفسه تعاني النخب السياسية من ركود بل وتراجع يبعث على اليأس،

وينعكس هذا في نوعية التمثيل النيابي الذي يشهد تراجعا مطردا. ويستذكر بعضنا المجالس الاستشارية المعينة في حقبة من تاريخ المملكة ومستواها الرفيع الذي كان يقوّي الأداء العام بما في ذلك اداء الحكومة بعكس المجالس النيابية الراهنة. وهذه ليست دعوة للارتداد عن الديمقراطية، فما نحتاجه ليس الغاء النيابة بل التفكير في سبل تحديثها.

وتطوير المؤسسة النيابية يرتبط طبعا بموضوع الاصلاح السياسي، الذي ربما سئم القارئ الحديث فيه، فهو بالفعل يهمّ النخب أكثر لكن هذا لا يعني أنه لا يؤثر في حياة العموم وواقع البلد وتقدمها، وكما قال جلالة الملك فالإصلاح كل مترابط سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.  وهذا التداخل الغريب بين مظاهر التقدم والتخلف يعود للتطبيق الجريء للإصلاح في ميادين والنكوص عنه في اخرى.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مراجعة شاملة (يوسف العواد)

    الأربعاء 10 حزيران / يونيو 2009.
    اوافق الكاتب اننا بحاجة الى التطوير.وهذا التداخل بين عناصر الحداثة والتخلف هو العائق الذي يحول دون تقدمنا.والمراجعة الشاملة لاوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضرورة ملحة لانها تمس مصلحة المواطن الذي اعتبره جلالة الملك المعظم انه همه الاول.ان المواطن كان يأمل من الحداثة ان تحل بعض مشاكله ولكنها مع الاسف زادت من معاناته.وقبل الديموقراطية التي اسيء استخدامها كانت اوضاعه افضل على الاقل و كان محميا ولنأخذ مثلا وزارة التموين التي كانت في السابق تحمي لقمة العيش للمواطن الغلبان.وهل مقياس تقدم الوطن بهذه الابراج التي تعلو السحاب .وهناك مواطن لا يجد مكانا يقيم فيه تحت الارض الا القبر.بعض المثلين للشعب من النواب والاحزاب المختلفة يحملون الاردن ما لا طاقة له.متناسين امكانياته وقدراته ويطالبونه باشياء لا يقدر عليها حتى حلف شمال الاطلسي.اين الواقعية وتقدير الموقف وهل الانتحار يعتبر فضيلة لديهم.ام انهم يساعدون اطرافا همها خلط الاوراق في المنطقة على حساب الاردن ليحققوا اهدافهم ومطامعهم ويرفعون شعارات براقة لا تخدم الا مصالحهم.
    الاولوية للوطن والموطن.وغير ذلك هو ترف سياسي لسنا بحاجة اليه لاننا مللنا هذه الاسطوانه المشروخة.وبالنسبة للتعليم فيحتاج الى مراجعة شاملة. ما يحدث في المدارس والجامعات قي بعض النواحي يحتاج الى وقفة تأمل وتفكير ومعالجة.
  • »هل من أمل ؟ (ابو السعود)

    الأربعاء 10 حزيران / يونيو 2009.
    الاخ جميل , قد كتبت انت بالذات عن موضوع آفات التعليم عندنا فهل لنا لن نتوقع يوما قريبا يدرك فيه المسئولون ضروره التغيير ؟