"سيكولوجيا الإحباط" وعلاقتنا بالعالم

تم نشره في الأحد 7 حزيران / يونيو 2009. 02:00 صباحاً

 

رغم غالبية ردود الأفعال الإيجابية، فإن الذين قرأوا خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاهرة قراءة رغائبية، لم يجدوا فيه تحولا كبيرا. الذين انتظروا أنْ يُحدِث انعطافة جذرية بـ"رمشة عين" قالوا إنه عادي. والذين تخيّلوا أنّ أوباما سيقدّم "روايتهم" للأحداث والقضايا والمسائل سمعوا ما لم يرغبوا في سماعه. لقد اجتمع في هؤلاء نزوع إلى المبالغة والرغائبية والحلول الخلاصية، ومآل ذلك كله: الصدمة وعدم الرضا!

إن ارتفاع شعبية الرئيس الأميركي باراك أوباما بين العرب، لا يمنع من تلمّس مشاعر الترقب والتوجس والحذر من الإفراط في التفاؤل بينهم، ذلك أن "سيكولوجيا الإحباط" لكثرة ما تمكنت من نفوس أبناء المنطقة، تدفعهم دوما إلى التشكك بأيّ احتمالات للخروج من "المستنقع" الذي وجدوا أنفسهم فيه منذ تفتحت عيونهم على الحياة في العالم العربي، ولذا فإن أهم تحد لأوباما أنْ يحوّل خطابه إلى ممارسات على الأرض.

وبين الرغبة العربية الأكيدة في مغادرة "المستنقع" و"التخوف" من أن يكون التعلّق بأوباما وهما لا حلما، تفرض الأسئلة الصعبة وجودها في هذا التأرجح، الذي ينظر في الحقيقة إلى أوباما كـ"مخلّص" ويقرأه بالأماني العربية، من دون أن يطرح على النفس المساءلة الواجبة: ماذا يمكننا كعرب أن نفعل لنجعل أوباما وسيطا نزيها ومتفهما لمطالبنا ومنصفا في مقاربة قضايا منطقتنا؟

هل الجانب العربي على استعداد حقيقي وعميق لأنْ يثبت للعالم، بأنه سيقدم ما يكفي من التجاوب مع أيّ مبادرة منصفة تقدمها الإدارة الأميركية لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وخاصة الشق الأكثر أولوية وتعقيدا منه، وهو القضية الفلسطينية؟

هل يتمكن العرب، وفي مقدمتهم الفلسطينيون، أن يقنعوا أميركا والغرب، بأن العقبة الحقيقية أمام إنهاء الصراع وإحلال السلام هي إسرائيل، عبر إصرارها على الاحتلال والاستيطان وانتهاكها للقرارات والقوانين الدولية؟ هل نحن، كعرب، مهيأون لإقناع المجتمع الدولي بأننا جزء من الحل ولسنا معوّقا في طريقه؟

قد نكون، من دون إعطاء صكوك براءة للذات، متفقين عموما على  أن الاحتلال الإسرائيلي هو واجهة الأزمات والمشكلات التي تعانيها منطقتنا، لكننا نكتفي في التعاطي مع هذه الحقيقة، بأننا "أصحاب حق" و"قضيتنا عادلة" وعلى الآخرين أن يكونوا "منصفين" معنا، وعادلين في التعامل مع حقوقنا، فـ"الشمس لا تُغطى بغربال"! هذا المنطق، ينطوي على استخفاف بموازين القوى على الأرض، وبشبكة المصالح التي تحكم سلوك الدول والحكومات، وهو إعفاء للنفس من أنْ تتجنب أن تكون محاميا فاشلا لقضية عادلة، وهو أيضا إعفاء للنفس من تقديم الشواهد على أننا "ناضجون" بما يكفي لأنْ نكون جزءا من العالم المعاصر، وعنصرا يسهم في إرساء الأمن والسلام وتحقيق التنمية والعيش الكريم.

لا يجوز الهروب من هذه الأسئلة تحت الضغط المعاكس على طارحيها بأنّ منطقهم يقترب من منطق إسرائيل التي دأبت على الحديث عن "غياب الشريك الفلسطيني". فإذا كان سبب مآسي الفلسطينيين أساسا هو الاحتلال الإسرائيلي، فإن هذا لا يُسقط المسؤولية عنّا، بحجة أننا ضحية. يخطئ العالم العربيّ إذ يعوّل على توسيع "الشُقة" بين واشنطن وتل أبيب، وأخشى أن يغدو التفاؤل بأوباما استراتيجيتنا العربية الجديدة والوحيدة، وهو نزوع لـ"الخلاصية" من "طراز جديد"، وانحياز لتفكير "ميكانيكي" ساذج قوامه: إذا حدث كذا سيكون كذا، وبضربة واحدة، وكأنما ليست مهمتنا أنْ نكون جزءا إيجابيا في تشكيل الحلول والمقاربات، وبذل أفضل الجهود لاجتراحها، واتخاذ القرارات الصعبة من أجل ولادتها.

نحن بحاجة إلى العالم، نحن بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى، ومتى أدركنا ذلك، وأدركنا وجوب امتلاكنا رؤية واستراتيجية خاصة بنا، تسعى إلى الحفاظ على مصالحنا ومكتسباتنا، وبالشكل الذي يسهم في تحسين قيم العالم المعاصر، وجعله مكانا أفضل للعيش، نكون قد خطونا أولى الخطوات السليمة التي تمكننا من انتهاز "نافذة الفرص" التي تلوح اليوم في أفق الفضاء الدولي، وإقناع العالم أيضا أنه بحاجة إلينا، وأن الإضرار بمصالحنا يضر بمصالحه.

خطاب أوباما في القاهرة يعيد أسئلة علاقتنا بالعالم ورؤيتنا له من جديد إلى الواجهة، إذ إن بعض ردود الفعل السلبية على الخطاب، رغم ما انطوى عليه من دلالات رمزية إيجابية، أظهرت كم أنّ تلك الأسئلة ما تزال تكتسب راهنيتها، وتلحّ على ضرورة اجتراح إجابات جديدة أكثر إقناعا؛ كي نظفر بعلاقات طبيعية مع هذا العالم.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لب الصراع بيننا (ابتسام خرما)

    الأحد 7 حزيران / يونيو 2009.
    الجميع يقول القضية الفلسطينية لب الصراع بالمنطقةوالواقع أنها الشماعة التي نعلق عليهاأخطاءنا وتقصيرناوجشعناوأحقادنا وانحرافاتنالدرجة أدت بالبعض لتمني بقاء الصراع ولو صححنا مسارناما كان هذا حالناولحسب لنا ألف حساب
  • »يا عرب لا تضعوا بيضكم في سلة واحدة ، وهي سلة الرئيس اوباما (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الأحد 7 حزيران / يونيو 2009.
    الرئيس اوباما رجل الأنجلوساكسيون البيض الذين هيؤه ، ورشحوه ، ودعموه ، وانتخبوة بحلته الجديدة الأفريقية والأسلامية ليتظاهر أنه المنقذ للعرب والأسلام قد جعل خطابه كأنه يضحك على عربنا وأسلامنا ليوهمهم أنه رجل سلام ، وبجانب الحق ..في حين انه يطبق الأجندة الأمريكية والأسرائيلية بحذافيرها ، وما هو الآ استمرار لسياسة الرئيس بوش في الخفاء ،وسيكون العدو الاول للعرب والمسلمين ,,وفي عصره وزمانه سنجد أن الأجندة المرسومة سيطبقها بحذافيره بناءا على أوامر اسيادة الأنجلوساكسيون، رعاة البنتحون الأمريكي برئاسة وزبر الدفاع الجمهوري جيتس الذي عمل وزير دفاع في عهد الرئيس بوش ..وأصر البنتجون على بقائه
    لذا دعوناان نتريث قبل ان نطلق زغرودة النصر لآن الرئيس أوباما يعلم جيدا لو انه انحاز عن هذه الأجندة قيد أنمله سيقتلعونه من جذوره ، ويغتالوه كما فعلوا بالكنديين ، والأسقف مارتن لوثر كينج، ومالكوم أكس ، ونقيب العمال هوفا ، وغيرهم مما اغتيلوا أو أرغموا على الأنتحار المفبرك