محمد أبو رمان

حادثة قلقيلية: "الهاجس الأردني"

تم نشره في الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

الرسالة التي تبعثها أحداث قلقيلية إلى عمان أنّ الرهانات والجهود الأردنية مع الإدارة الأميركية مهددة بالفشل والانهيار

رغم البشاعة الإنسانية والأخلاقية للمواجهة الدموية الدامية في قلقيلية شمال الضفة الغربية، بين أفراد من فتح وحماس، فإنّ ما هو أخطر من ذلك تلك الدلالات السياسية المتعلقّة بالبعد الأردني، وتحديداً هاجس اضطراب الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية.

الرسالة الخطرة التي تبعثها أحداث قلقيلية إلى "مطبخ القرار" في عمان أنّ الرهانات والجهود الأردنية الحالية مع الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي جميعها مهددة بالفشل والانهيار في حال تطورت المواجهات وأدت إلى انفلات أمني، وبدرجة أسوأ "فوضى" أمنية وسياسية، ما يُلقي بظلال سلبية واسعة على المعركة الدبلوماسية الأردنية مع إسرائيل.

"الفوضى" هي السيناريو الأسوأ في الضفة الغربية، والذي يمثل هدية تاريخية لا تقدّر بثمن للحكومة اليمينية المتطرفة، ويعزز من دعواها أمام الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي بأنّ الفلسطينيين عاجزون عن حكم أنفسهم وأنّ الشريك الفلسطيني المفترض وهمي، والحل الوحيد هو ترحيل القضية إلى "الجوار العربي".

إذا فلتت الأمور في الضفة وانكسرت شوكة السلطة، فإنّ الرهان الأردني على عزل الطروحات اليمينية الإسرائيلية، التي بدأت تأخذ طابعاً أكثر وقاحة وصلافة وتتسرب إلى المؤسسات الرسمية، وتتحدث بأنّ "الأردن دولة الفلسطينيين"، سيكون ضعيفاً أمام الإدارة الأميركية، التي ما تزال إلى اليوم ترفض القبول بالتحول الاستراتيجي في الرؤية الرسمية الإسرائيلية بالتخلي عن مشروع "حل الدولتين" وترحيل العبء الأمني والسياسي للكتلة السكانية الفلسطينية إلى الأردن.

بالمناسبة، هذا السيناريو سبق وأن كتبنا عنه وحذّرنا من خطورته على الأردن، بخاصة أنّ هنالك نبوءات أميركية مقربة من الدوائر الإسرائيلية كانت قد تحدثت عنه سابقاً. وأذكر على سبيل المثال لقاء جمع عدداً من السياسيين والإعلاميين الأردنيين مع خبير أميركي عشية الانتخابات التشريعية الفلسطينية "تنبأ" فيه ذلك الخبير بنتائج ستفضي إلى انتصار حماس وحدوث مشاكل سياسية كبرى بين الطرفين، تؤدي إلى عودة عبء الضفة الغربية إلى الأردن.

وقد قاربت صحيفة القدس العربي في افتتاحيتها أمس بين وضع الضفة أمنياً اليوم وبين الفوضى التي كانت تخيم على قطاع غزة قبيل استيلاء حماس عليها، وأشارت الافتتاحية إلى ارتفاع نسبة تأييد حماس داخل الضفة، على الرغم من تراجع تأييدها داخل قطاع غزة، ما يعني أنّ الحركة ما تزال قوية ومتماسكة على النقيض من التقارير التي أشارت إلى ضعف التنظيم وتفككه في الضفة.

لا نبالغ في تعميم ما حدث في قلقيلية، والقفز إلى "توقعات تراجيدية"، ونأمل أن يكون بمثابة اختراق محدود، لكن هنالك مؤشرات مقلقة مرتبطة بالوضعين الفلسطيني والإسرائيلي على السواء.

إلى الآن، الاستراتيجية الأردنية تقوم على دعم الرئيس عباس سياسياً وأمنياً، من دون التورط في أي تدخل سياسي رسمي في الضفة الغربية، وترك ملف الحوار الفلسطيني للجانب المصري.

أحداث قلقيلية تدعو إلى إعادة النظر في هذه الاستراتيجية، فوضع سلطة رام الله ليس مستقراً سياسياً، والخلافات تعصف بحركة فتح من الداخل، والتي تحولت إلى لوبيات وشلليات كلّ يعمل لمصالحه الخاصة، وله علاقاته الخارجية.

وإذا كان قطاع غزة يمثل امتداداً للاعتبارات السياسية المصرية بدرجة كبيرة، فإنّ ملف الضفة الغربية يقع في صلب الأمن الوطني الأردني والمصالح الاستراتيجية العليا، ولا يجوز التردد في الاشتباك السياسي معه، بما يحقق المصالح الوطنية.

الأردن يملك مفاتيح ذهبية عديدة في الضفة الغربية لا يجوز إهمالها أو التخلي عنها بذرائع معينة. ولا بد بالتوازي مع استمرار دعم الرئيس عباس وتثبيت الأمن الفلسطيني العمل على فتح قنوات الحوار مع حركة حماس ومع الرموز السياسية والاجتماعية الفلسطينية في الداخل، بل والعمل على خلق حالة نضالية وإنتاج رموز فلسطينية جديدة تملك المصداقية والقبول، وتساهم في إفشال المخطط الإسرائيلي اليميني.

لا أقلل من الجهود الدبلوماسية الأردنية المشهودة، وإن كنت غير متفائل بالمسار السلمي، لكن ذلك لا يمنع من النظر والتفكير في المخاطر الحقيقية المترتبة على فشل هذه الرهانات وضرورة الإعداد جيداً للسيناريو الأسوأ.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ماذا بعد ..؟ (محمد الرواشده)

    الأربعاء 3 حزيران / يونيو 2009.
    لا يمكن الاقرار بان ما ورد في افتتاحية القدس العربي صحيح بالمطلق فحماس تخسر رصيدها لدى حتى انصارها
    ما حدث في غزة مدعاة للماساة و الحزن فغريب امر هؤلاء ان يتقاتلوا و عدوهم وضخ و معروف
    من حق اي سلطة ض سلطتها و حكمها و ليس ان من حق احد يكون من المقاومة منطلقا لعصيان و انقلاب ضد سلطة مطلق سلطة
    اذا لم يحسن الفلسطينيون ادارة ازماتهم المتلاحقة فسيفيق الفلسطينيون على كوارث و نكبات ان لهم ان يفارقوها
    بين اجندة حماس و تسلق البعض من فتخ يخسر الوطن الفلسطيني الجريح
  • »الاخلاق والسياسه (احمد الجعافرة)

    الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009.
    اعتقد ان جوهر المقال يقع في الفقره العاشره والتي تقول ( واذا كان قطاع غزه يمثل امتدادا للاعتبارات السياسيه المصريه بدرجه كبيره ؛ فان ملف الضفه الغربيه يقع في صلب الامن الوطني الاردني والمصالح الاستراتيجيه العليا ؛ ولا يجوز التردد في الاشتباك السياسي معه بما يحقق المصالح الوطنيه)
    وهنا نلاحظ ان الكاتب يقارن بين دولتين مختلفتين بعيدا عن موازين القوى بينهما الذي تعترف كل ادبيات السياسه بضرورة تواجدها في مثل هذه الحاله حتى تستقيم المقارنه بشكلها الصحيح والسليم ؛ومن الملاحظ هنا انه يوجد تجاهل لهذا المبدأ السياسي الهام جدا فلا يعقل ان نقارن الوضع المصري المبني على المكانه الواقعيه لها والذي لم يمنحه احد لها بقدر ما هو واقع اكتسبته مصر لاعتبارات سكانيه وجغرافيه لم يتوفر لاي دوله عربيه اخرى فكيف بالاردن التي نأمل لها ان تكون منافسه حقيقيه لدوله مثل مصر كي نقارن مصر بالاردن
    وحتى عندما نتكلم عن الدور المصري في قطاع غزه وخصوصا موقفها الاخير خلال ايام الحرب فان هذا الموقف رغم كل ماقيل فيه من شجب واستنكار الا انه كان قادرا في لحظة ما على جمع الفرقاء الفلسطينين في مكان واحد لحل مشاكلهم بغض النظر عن درجة صدقية النوايا سواء بين المتحاورين انفسهم او نوايا الدوله المصريه نفسها ؛ولو حاولنا ان نسقط التصرف المصري على الوضع الاردني لبان لنا الفرق الشاسع بين موقف الاخوه الفلسطينين من هكذا موقف فيما لو حصل من الجهه الاردنيه وهذا دلالة واضحه لا علاقه للاخلاق والقيم بها بل يعود السبب الى القوي والاقوي
    واراني متفقا مع الكاتب في اهمية الضفه الغربيه من جميع النواحي بالنسبه للدوله الاردنيه وهذا ليس جديد وليس اختراع بل هو واقع يصل الى حدود القدر الذي قدره الله والتاريخ علينا وليس لنا منه مهرب ؛والعلة في عدم القدره على حلحلة هذه الحاله او كما تقترح عدم الاشتباك ليس لان القياده الاردنيه لا تدرك اهمية هذه المصالح الوطنيه بل لان المقابل يتعامل مع جميع الانظمه العربيه بشيء من الثقه باستثناء التعامل مع قيادة هذا البلد التي كانت دائما وابدا يشوبها شيء من التوجس والريبه بحيث جعلت الحوار يقف في طريق مسدود او اقل ما يقال عنه التسويف او الانتضار وهذا بالضبط ماهو مطلوب ولان الانتضار ليس لصالح الدوله الاردنيه فان المطلوب ان لا نطبق مثل ( الي استحوا ماتوا) ونحن لانريد ان نموت حياءا مقتنعين تماما ان الاخلاق والسياسه لم يتصالحا الى هذه اللحظه
  • »"اسرائيل" أصل كل الشرور (هيثم السليمان)

    الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009.
    المشكلة هي "اسرائيل"، وكما قرأنا في كليلة ودمنة في باب الحمامة المطوقة: فإن العداوة التي بيننا ليست تضرك، وإنما ضررها عائد عليَّ: فإن الماء لو أطيل إسخانه لم يمنعه ذلك من إطفائه النار إذا صب عليها، وإنما مصاحب العدوّ ومصالحه كصاحب الحية يحملها في كمه، والعاقل لا يستأنس إلى العدو الأريب."
    و"اسرائيل" انتخبت اليمين المتطرف الذي سيهدم كل رهان على الرغبة الاسرائيلية في السلام.
  • »لماذا دائما نضع الاردن في كل المواقف؟ (ابو ربيع)

    الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009.
    اشكر الكاتب اولا على موضوعه والذي بالتاكيد لا يعبر الا عن رايه الشخصي ومن يوافقه الراي من القراء.
    الموضوع في غمز ولمز لدعم فتح بالضفة الغربية وعلى حساب رجال المقاومة في حماس وهذا بالتاكيد لن نقبل به نحن الشعب ان نضحي بالمقاومين المجاهدين في سبيل ابقاء فتح بالسلطة. ما علاقة الاردن بما يدور في فلسطين ؟ ولماذا دائما نضع الاردن في كل ما يجري بالعالم؟
  • »أحسنت (مصطفى)

    الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009.
    نعم ايها الكاتب المحترم..أؤيدك في رأيك وادعو الى تدخل اردني ناعم بداخل الضفة ووصل شعرة معاوية مع حماس الضفة قبل ان تنزلق الحركة في قتال داخلي لن نسلم منه لاحقا اذا حصل لا قدر الله.
  • »تعقيب على المقال (علي الملكاوي)

    الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009.
    المقال جيد جدا ولا يحتوي على انحيازات لأي طرف ولكن أود أن أشير إلى الكاتب القدير السيد محمد أبو رمان وجميع الكتاب في الصحف الأردنية إلى التقليل من شأن الخيار الأردني لمشكلة الضفة فصدقوني لا يشجع الأعداء لطرح هذه الأفكار المسمومة إلا كثرة الحديث عنها في المطبخ الأردني..ولكن للذي عقب على المقال بأنه يحتوي على دعوى مشبوهة للتعاون مع العدو فلا أدي كيف جاء بمثل هكذا وجهة نظر فقد قرأت المقال مرارا ولم أجد به ما اتهمت به كاتبنا العزيز
    ونشكر السيد الكاتب على مثل هكذا مقال واضح..
  • »تعقيب على "صديق" (محمد أبو رمان)

    الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009.
    لا أدري يا أخي من أين جئت بهذا الاستنتاج؟!
    أنا أدعو في المقال إلى الانفتاح على حماس ولعب دور كبير في المصالحة الفلسطينية والتوافق الداخلي.
    شخصيا أتعاطف مع حماس وأتضامن معها، لكن هنالك محددات للسياسة الأردنية نتفهمها، على أن تراعي المصلحة الوطنية المتمثلة بالوفاق الداخلي.
    إذا كنت تشير إلى مساعدة عباس أمنياً فبلا شك ذلك لا يعني المواجهة مع حركة حماس، بالنسبة لي، لكن ضبط الأوضاع الأمنية بصورة عامة وتحكيم القانون في مواجهة العصابات المسلحة والنزاعات الاجتماعية
    أرجو أن تكون الصورة اتضحت.
  • »دعوة مشبوهة (صديق)

    الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009.
    صديقي ابو رمان...
    مقالتك تحمل في ثناياها دعوة مشبوهة للتعاون الاستخباراتي مع العدو الصهيوني للقضاء على حماس في الضفة ..
    واطمئنك بان هذا الشيء لن يحدث لاعتبارات كثيرة ..منها ان شلة عباس الموجودة حاليا هي مع الانبطاح ورفض حق العودة وبالتالي المواطنو والتزطين .. اثنين ان حماس عقائدية وليست سلطوية او حركة مرحلية ..وستثبت لك الايام ذلك
  • »الأداء الأردني ممتاز وواثق الخطى (فاتن العمر)

    الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009.
    احترامي للكاتب المتميز ولكن لا أفهم هذا التضخيم المستمر في مسألة الضفة الغربية والخيار الأردني والعبئ الديمغرافي الفلسطيني على الأردن. لقد بدأ الفلسطينيون يتحسسون من هذا التضخيم.
    الخيار الأردني غير مطروح لا اقليمياً ولا دولياً ولا فلسطينياً ولا يلقى تجاوب من أي لاعب رئيسي في الملف الفلسطيني الاسرائيلي. اليمين الاسرائيلي أصلاً مقسوم ولا يلقى دعماً خارج دائرته الضيقة ويقود اسرائيل نحو مواجهة مباشرة لأول مرة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
    حادث قلقيلية حادث منعزل يفهم في سياق توتر حماس كلما حققت السلطة الفلسطينية انجازاً دولياً. هناك استقرار أمني في الضفة وغير مسموح لا دوليا ولا اقليمياً المساس باستقرار الضفة، أبومازن اللاعب الأكثر قدرة على الانتظار والعمل بهدوء من أي لاعب آخر بما فيه الحكومة الاسرائيلية الحالية وحماس.
    الأردن يتحرك في إطار اقليمي ودولي واضح المعالم وتوزيع الأدوار فيه واضح ومع إدارة أوباما أضحت ملامحه أكثر وضوحاً، الأداء الأردني في ملف الصراع العربي الاسرائيلي أكثر من ممتاز وواثق من نفسه ولا يحتاج نصيحة من أحد، أكان من الداخل أو الخارج. القنوات الأردنية مفتوحة تاريخياً مع كل مكونات الشعب الفلسطيني بما فيها حماس وفلسطينيو 48 ووجهاء القدس ألخ، ولكن هناك فرق بين فتح قنوات وبين التجاوب مع الطروحات العبثية لبعض القوى الفلسطينية، فالأردن أعلن رؤيته السياسية منذ زمن طويل ويتعاون مع كل من ينسجم مع هذه الرؤية وينصح كل من يخالفها.
    التخويف والتهويل سياسة المتطرفين واليمينين الاسرائيليين ولا يجوز لعقلائنا انتهاجها.
  • »سؤال ليس بريئا (ايهم)

    الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009.
    لو بعد محمد ابو رمان متطرفا هل كان سيقبل ان نرمي ابنائنا لمعركه ليست من اولوياتنا لنصره فتح وعباس سيء السمعه
  • »إعادة إختراع الماساة (ابن سوريا)

    الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009.
    إنتصار المعارضة سيحدث تغيراً في شكل المنطقة.لعل هذه المقولة هي النبوؤة الأكثر إحتمالاً في المستقبل .عدة إستراتيجيات متوافقة ترغب بذلك وأهمها أن اسرائيل تريد الفرار من تحت الضغط الدولي المدفوع عربياً لجعل السلام العادل سائد في المنطقة،ولا شك أن اللوبيات اليهودية تبحث عن متنفس لدولة (من الفرات الى النيل)عبر العديد من بؤر التوتر في المنطقة وخارجها لصرف الإنتباه وتشتيت الضغوط وإعادة ترتيب الأولويات .
    ما حدث في غزة من تمزيق للسلطة كان له صدى في لبنان من إحتلال وسط بيروت الى التخوين الى 17 ايار 2008.وفي ظل تأجيل إعلان فشل المصالحة الفلسطينية في القاهره كما حدث مع إتفاق مكة وبإنتظار نتيجة افنتخابات اللبنانية والتحضير البارد للإنتخابات الفلسطينية،سيموج الشارع الفلسطيني بأحداث تتمخض عن مبررات اسرائيلية للقفز عن الهم الفلسطيني بهذه الحجة أو تلك