المرأة والتحولات الاجتماعية والتدين

تم نشره في الاثنين 1 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

كانت المرأة مع ظهور موجة التدين في أوائل السبعينيات واحدة من أكثر القضايا إشكالية في علاقة الخطاب الإسلامي بالمرأة وعملها ولباسها ووضعها الاجتماعي والسياسي ومشاركتها في العمل والحياة العامة، وكان يعتقد في البداية أن المرأة ستكون هي أخطر نقاط ضعف الحركات الإسلامية وأنها مدخل انتقادهم وانتقاص شعبيتهم وتأثيرهم، ولكن ما حدث هو العكس فأنصار الإسلاميين من النساء يشكلون القوة الغالبة والمؤثرة، وصارت المرأة هي مصدر قوة الإسلاميين وتأثيرهم!

لكن ذلك لم يمنع ملاحظات كثيرة وجوهرية حول موقع المرأة في الخطاب الإسلامي، حدثت بالطبع تحولات اجتماعية كبرى غيرت كثيرا في فهم التطبيق الإسلامي وقيم التدين، وإعادة موضعة وتقييم الأفكار الاجتماعية والتقاليد السائدة في سياق التدين الجديد.

وقد شغل عدد كبير من الإصلاحيين بإعادة تفسير النصوص بهدف إسناد برامج التحديث بالقرآن. وعالج إسلاميون كثر وبجرأة العلاقة ما بين الطبيعة الأزلية للقرآن والخصوصية التاريخية والحضارية، فيميز إسماعيل الفاروقي بين القيم المطلقة القائمة خارج التاريخ وبين تطبيق تلك القيم ضمن أطر اجتماعية تاريخية محددة. ويتيح هذا التمييز للإصلاحيين التفريق بين قوانين الماضي الدينية والشرعية (التفسير والتطبيق) وبين الحاجة إلى صياغات جديدة وإعادة صياغة للإسلام.

تحلل نادية حجاب، الكاتبة والصحافية ومسؤولة برامج التنمية البشرية في الأمم المتحدة، الظروف الاجتماعية التي سادت في العالم العربي، فالتخوف من الأصولية اليوم يدفع الحكومات إلى فك علاقاتها بالمحافظين الدينيين.

وتبدو الوقائع في الدول العربية والإسلامية تحتاج في قراءتها وتحليلها إلى مناهج متعددة تلائم تعقيد الظاهرة، فالنساء في قطر والأردن على سبيل المثال يتمتعن بمستوى من التعليم والالتحاق بالمدارس والجامعات يفوق بكثير مستوى مصر، والدول التي تحتاج إلى المزيد من القوى البشرية أتاحت للنساء الاستفادة من فرص العمل المتوفرة.

وتلاحظ أفسانة نجم أبادي، الأستاذة المشاركة في كلية دراسات النساء بكلية برنارد، أن إيران شهدت ازدهارا خارقا للنتاج النسوي الثقافي والرياضي منذ تسعينيات القرن العشرين، وترى نشوء إمكانيات وآفاق نسوية جديدة وصياغات جديدة للإسلام.

وتعتبر مصر من بين الدول المحدثة القيادية في العالم الإسلامي، وشهدت في الوقت نفسه ميلاد جماعة الإخوان المسلمين في العشرينات ثم نشوء الجماعات الإسلامية المتشددة التي ذهب ضحيتها الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات.

وترى ميرفت حاتم، أستاذة العلوم السياسية بجامعة هوارد في واشنطن، أن النساء يقمن بدور مهم في النقاش الراهن بين الطروحات العلمانية والإسلامية المتنافسة حول الدولة والمجتمع المدني.

وقد استفادت أقلية من النساء من البرامج التحديثية التي قام بها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر في مجالات مهنية وتعليمية ومشاركة رمزية في المواقع المهمة، ولكن عبد الناصر رفض بإصرار تغيير قانون الأسرة.

وقد شارك الإخوان المسلمون في تقديم إسلام حداثوي يجتذب المثقفين والطبقة الوسطى وأقنع أغلبية النساء العاملات والجامعيات باتباع الطريقة الإسلامية في اللباس والسلوك مع المحافظة على المشاركة والتعليم.

ويقدم الأردن حالة دراسة متميزة عما هو موجود في العالم العربي، وترى لوري براند، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة جنوب كاليفورنيا، أن وضع النساء في الأردن تحدده ظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية بالإضافة إلى التقاليد الدينية.

ورغم التعليم المتقدم الذي حصلت عليه المرأة في الأردن فإنها مازالت مهمشة في مؤسسات المجتمع المدني وعمليات اتخاذ القرار.

وبرغم أن باكستان حكمتها امرأة منتخبة، بناظير بوتو، فإن المرأة لا يختلف دورها وواقعها عنه في سائر أنحاء العالم الإسلامي.

أما دول الخليج فهي الأكثر محافظة في العالم الإسلامي، رغم عمليات التحديث الجارية في كل القطاعات والتوسع في التعليم والتوظيف.

وبقيت المستفيدات الرئيسيات من برامج تحديث المرأة هن نخبة حضرية حصلن على فرص أكبر في التعليم العالي والوظائف، واجتذبت الحركات الإسلامية نسبة عالية من النساء عن طواعية وقناعة.

إن المجتمعات الإسلامية تواصل منذ قيام أول مجتمع مسلم في المدينة المنورة تعريف هوياتها ومكانها في المجتمع الدولي. وقد شهد القرن العشرون فترة تحول وانتقال كبرى أنتجت خريطة جديدة للعالم الإسلامي في جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية الدينية.

وقد أثارت الصحوة الإسلامية المعاصرة حيوية أكبر لكثير من هذه القضايا، وبخاصة الجنوسة ووضع النساء وأدوارهن في المجتمع. وظلت هذه القضية موضع كفاح لم تحسم فيه الأوضاع والنتائج، فهي معركة الطبقات الوسطى والسلطات السياسية والاقتصادية والهوية والعقيدة أيضا.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق