هل فقدنا القدرة على تنفيذ المشاريع!؟

تم نشره في الخميس 28 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

 

 ما الذي حل بقدرة الدولة على تنفيذ المشاريع العملاقة والحيوية والتي تصنف على أنها استراتيجية؟ هناك عدد من المشاريع الكبيرة التي لا غنى عنها (الديسي، سكك الحديد، الكهرباء، المصفاة، الاتصالات)، ويمكن زيادة القائمة بمشاريع أقل حجما لكنها لا تجد طريقها للتنفيذ، فما هي أسباب ذلك التعثر، هل هي مالية بحتة أم فنية أو مزيج من الاثنين؟.

خلال فترات التأسيس والبناء للدولة لم يكن هناك خلاف حول الأولويات أو تقاسم الأدوار بين القطاعين العام والخاص، كان دور الدولة واضحا بضرورة تبني المشاريع الكبرى التي يعجز، أو لا يهتم القطاع الخاص بتنفيذها، من هذا المنطلق تمت صياغة دور الدولة في الاقتصاد ولم يكن هناك خلاف على طبيعة هذا الدور، ووقع الخطأ حينما أقحمت الدولة نفسها في مشاريع إنتاجية مثل إنشاء مصانع للزجاج، استراحات سياحية، مصانع للجلد والألبسة، وهذه أنشطة لم يكن هناك حاجة لدخولها أو التوسع فيها تحت أي مبرر.

وبالفعل فشلت المشاريع الصغيرة الإنتاجية، في حين قادت المشاريع الكبرى المسيرة التنموية، وعندما حاكمنا المرحلة التي توسعت فيها الدولة، تم التركيز على المشاريع الصغيرة وتجاهل الكبيرة، وحدث التحول في بداية التسعينيات عندما تم تبني برنامج الإصلاح الاقتصادي والتخصيص، وبات دور الدولة ينحسر في تنفيذ المشاريع الكبيرة، مع بقاء دور الدولة في الاقتصاد من ناحية الحجم كما هو، والتوسع، وهذا الخطأ الثاني كان يحدث في التوظيف لغايات اجتماعية وليست اقتصادية، وهذا النهج في كثير من أجزائه عطل قدرة القطاع الخاص على الدخول  لتنفيذ مشاريع جديدة، ولم يكن واضحا أن الدولة انسحبت لتفسح المجال للقطاع الخاص، ولم تثق الحكومة بقدرة القطاع الخاص على تنفيذ مشاريعه.

وبين تردد القطاع الخاص وعدم ثقة القطاع العام دخلنا مرحلة جديدة ليس من الواضح من يقود فيها عجلة التنمية ومن الذي سينفذ المشاريع الضرورية، فالموازنة العامة للدولة تنوء تحت عبء النفقات الجارية، وفقدت الكثير من مصادر الإيراد التي تسمح لها تنفيذ مشاريع كبيرة على مدى زمني طويل، والحكومة تتبنى شعار الانسحاب نظريا وليس عمليا، في حين يلتقط القطاع الخاص إشارات متناقضة تضيف الى تردده الغرزي تجاه المشاريع ذات الأمد الطويل.

والافتراض أن القطاع الخاص سيملأ الفراغ افتراض أنه "مغامر" ولديه الموارد يتجاهل حقيقية تكوين القطاع الخاص اأردني الذي نما وترعرع في ظل الحماية والامتيازات التي منحتها الدولة، من هنا لم يكن غريبا أن رأس المال للمشاريع الكبيرة (الاتصالات، الإسمنت، الفوسفات والبوتاس) جاء من مستثمرين أجانب وليس أردنيين، ولم يثر ذلك في حينه الخوف من الأجنبي أو ترافقه النزعة السائدة حاليا والتي تنادي بدور أكبر لرأس  المال الوطني، ولم يتم الانتباه الى الملكية إلا بعد النجاحات التي حققتها الشركات التي تم تخصيصها، وللتذكير مثلا، عندما تم طرح أسهم الاتصالات في البورصة المحلية لم تتم تغطيتها لولا تدخل الضمان الاجتماعي، كذلك الحال كان في تخصيص "الملكية الأردنية". وهذا يشير الى تدني مستوى الثقة لدى الجمهور أيضا فيما يخص هذه المؤسسات التي كانت مملوكة للدولة.

إن تردد القطاع الخاص عن تنفيذ مشاريع لها عوائد اقتصادية واجتماعية يجب أن لا يقف حائلا أمام تنفيذ هذه المشاريع، مع ضرورة الاحتكام الى معايير الحوكمة والنزاهة والشفافية والاستناد الى آليات واضحة تتبع بشكل منهجي، ويجب التمييز بين مشاريع ذات عوائد مالية سيقبل عليها القطاع الخاص، ومشاريع تخدم قطاعا عريضا من المواطنين وتتماشى من السياسات العامة. إن اللحوء الى تغيير التشريعات وتسهيل الإجراءات وتقديم الضمانات لا يعتبر بديلا للتنفيذ المباشر، لأننا في الوقت الذي طورنا فيه البيئة الاستثمارية، فقدنا القدرة على التنفيذ وترجمة أفكار المشاريع الى نتائج فعلية، أي أننا حسنا البيئة الاستثمارية ولكننا نفتقد إلى الفاعلين، فهل هذا هو هدفنا!؟ 

التعليق