الاتحاد الأوروبي من الغطرسة إلى السقوط

تم نشره في الجمعة 22 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

 

 في مبدأ الأمر استُـقبِلَت معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي بالحماس والفخر، بل وحتى الغطرسة. فقد وعدت هذه المعاهدة بإيجاد سبل أكثر واقعية وقبولاً للمضي قدماً إلى الأمام مقارنة بالمعاهدة الدستورية المشؤومة التي جاءت في محلها. ولقد تمنى العديد من أنصار هذه المعاهدة أيضاً أن تكون إحدى السمات الرئيسية للمعاهدة السابقة ـ أو مفهوم "الوطنية الدستورية" ـ ما زالت على قيد الحياة. ولكن معاهدة لشبونة جلبت الفوضى إلى الاتحاد بدلاً من ذلك. ولكن أين كان الخطأ؟

إن الوطنية الدستورية، وهو المفهوم الذي وضعه اثنان من الفلاسفة الألمان، وهما دولف ستيرنبيرجر وكارل جاسبرز، كان المقصود منها أن تحل محل النـزعة القومية التي فقدت مصداقيتها في ألمانيا آنذاك بسبب الماضي النازي. على نحو مماثل، ومع تطور الاتحاد الأوروبي إلى دولة فيدرالية، فمن المنطقي أن يرفض مواطنوه النـزعة القومية القائمة على الانتماءات العرقية وأن يتبنوا بدلاً من ذلك المبادئ الديمقراطية التي ينص عليها دستور الاتحاد.

غير أن هذا الوهم تحطم على نحو لا لبس فيه بعد رفض الناخبين الإيرلنديين، لذا فمن المناسب أن نذكر أنفسنا بأن الإغريق القدامى كانوا يرون في الغطرسة نذيراً بالمأساة التي تنتهي إلى السقوط الحتمي.

ولكن هل كانت مطامح مصممي معاهدة لشبونة سبباً في الحكم عليها بالفشل؟ وهل فشلت المعاهدة حقاً؟ لا شك أن التكامل الأوروبي قد يواجه بعض العقبات، ولكنه ما زال يسير نحو الأمام. في عام 1950 قال الفرنسي روبرت شومان، وهو أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي: "لن يتحقق الحلم الأوروبي دفعة واحدة، ولا كبناء واحد: بل سيتحقق من خلال الإنجازات الملموسة، ولكن أولاً عن طريق بناء التضامن الحقيقي".

لقد تصور العديد من الناس أن هذا التضامن قد تحقق بالفعل في تشرين الأول (أكتوبر)2004، بالتوقيع على معاهدة نيس، التي وضعت الخطوط العريضة لدستور الاتحاد الأوروبي. ولكن لم يوافق عليها آنذاك سوى ثماني عشرة دولة، قبل أن ترفضها فرنسا وهولندا في استفتاءين متعاقبين، ثم تمتنع بعد ذلك سبعة من البلدان الأعضاء عن استكمال عملية التصديق.

وفي مواجهة هذا الموقف لم يكن أمام المجلس الأوروبي سوى خيارين. أولاً، كان بوسع الاتحاد أن يتمسك بمعاهدة نيس باعتبارها أساساً لعمل الاتحاد. غير أن الاعتراف بالفشل على ذلك النحو كان من شأنه أن يضعف الديناميكية السياسية للمشروع الأوروبي وأن يحد بشدة من مجاله في المستقبل. وكان الخيار الثاني يتلخص في البحث عن حل وسط ـ أو معاهدة لشبونة.

ومن الجدير بنا هنا أن نتذكر أن معاهدة لشبونة تشكل تقدماً حقيقياً، وإن كان متواضعاً، بالنسبة للمشروع الأوروبي. فوفقاً لأحكامها، كانت رئاسة المجلس الأوروبي لتصبح أعظم استقراراً؛ وفي محل الرئاسة الدورية الحالية التي تدوم لمدة ستة أشهر، فكان بوسع أي زعيم سياسي أوروبي قادر على حشد الدعم الضروري لشخصه أن ينتخب ليخدم كرئيس لمدة عامين ونصف العام. فضلاً عن ذلك فإن قرارات المجلس التي تتطلب الإجماع الآن كان من الممكن أن تتخذ استناداً إلى أغلبية الأصوات. وكان بوسع الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي أن يساند المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي في رعاية الشؤون الخارجية والأمن، وكان البرلمان الأوروبي ليكتسب المزيد من القوة.

وفوق كل هذا فإن المعاهدة تهدف إلى جعل الاتحاد الأوروبي أكثر ديمقراطية، حيث سيكون بوسع مجموعة من المواطنين أن يدعوا المجلس الأوروبي للانعقاد لطرح تشريع جديد. وكانت البرلمانات الوطنية لتحصل على الحق في المشاركة في وضع قوانين الاتحاد الأوروبي، استناداً إلى اعتراف المعاهدة بالدور الذي تلعبه البرلمانات في "التشغيل اللائق للاتحاد".

ولكن على الرغم من أهميتها التي لا ينكرها أحد وإسهامها في تنمية الاتحاد الأوروبي، فإن معاهدة لشبونة بعيدة تماماً عن العمل كمفتاح لحل كافة المشاكل. بل هي في الواقع معاهدة مبسطة عامرة بالبروتوكولات، والإعفاءات، وأسباب الاستبعاد. وكان رئيس الوزراء البلجيكي السابق جاي فيرهوفشتات على حق حين تحدث عن المعاهدة باعتبارها مجموعة من "الحواشي".

في الوقت نفسه، ومع عرقلة معاهدة لشبونة وخلو الأفق من أي خطوة مؤسسية نحو الأمام، فإن السؤال الأساسي يظل كالتالي: "ما هو النمط الذي نريد لأوروبا أن تكون عليه؟". إن معاهدة لشبونة راضية بتطهير الممرات والمسارات بدلاً من خلق آفاق جديدة. وهي في الأساس توزع على زعماء البلدان الأعضاء المسؤولية عن تنفيذ مختلف أشكال التقدم التي يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يحرزها، وتكتفي برسم لمحات من الإمكانيات الكاملة للاتحاد الأوروبي. إن المعاهدة لا تدين الاتحاد الأوروبي، ولكنها لن تنقذه أيضاً كما يحب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن يقول. إن السلطة السياسية للبلدان الأعضاء تظل هي المحرك الرئيسي لعملية صنع القرار السياسي الأوروبي، بكل ما يشتمل عليه هذا من معان ضمنية فيما يتصل بالتنسيق والتسوية والتفاوض.

ويتوقف الأمر الآن على الزعامة السياسية للاتحاد الأوروبي التي يتعين عليها أن تتحرك بسرعة وأن تتمسك بالإنجازات التي كنت في مستهل الأمر سبباً في ميلاد معاهدة لشبونة. على سبيل المثال، تشتمل المعاهدة على ميثاق للحقوق الأساسية؛ ولكن ما لم تعمل البلدان الأعضاء على إحياء هذه المعاهدة فسوف تفشل لا محالة في إحراز نتائج ملموسة. ويقترح البعض الاستعاضة عن مبدأ المنافسة الحرة بمبدأ المنافسة العادلة في التجارة، ولكن ماذا يعني هذا إن لم تتمكن البلدان الأعضاء من التوصل إلى الإجماع على الكيفية التي ينبغي بها أن تتحقق هذه الغاية؟

ثمة نقطة أخيرة تستحق التأكيد، ألا وهي أن معاهدة لشبونة تتحرك بعيداً عن الكثير من الأفكار التي كانت لتخدم كأساس لدولة  فيدرالية أوروبية عظمى. ولا شك أن خلو المعاهدة من بعض المصطلحات، مثل الدستور أو وزير الخارجية، يبين بوضوح أن طموحات المعاهدة الدستورية قد تراجعت إلى حد كبير.

إن المضي قدماً من دون أيرلندا عن طريق تأسيس اتحاد جديد يضم ستا وعشرين دولة فقط أمر مستحيل من الناحية القانونية. ولكن الدخول في دورة جديدة من المفاوضات المؤسسية يبدو أيضاً أمراً غير وارد. لقد سئم المواطنون الأوروبيون من هذه المناقشات المتكررة ـ منذ عام 1995 ظهرت على التوالي معاهدات أمستردام، ونيس، وروما، ولشبونة، ولم يسجل أي منها نجاحاً كاملاً.

يعتقد البعض أننا في النهاية سوف نتوصل إلى حل وسط، أو حيلة ما لحمل أيرلندا على الإذعان، وبهذا يصبح لدى الاتحاد الأوروبي معاهدة. ولكن كل هذا سوف يستغرق الوقت، وإذا تبين أن الترتيب الجديد يفتقر إلى الأغلبية المطلوبة من الأصوات، وإذا ما فشل في إصلاح المفوضية والاحتواء على بند يسمح لأي بلد عضو باختيار عدم المشاركة في ميثاق الحقوق الأساسية، فلن يتمكن ذلك الترتيب من حل المشاكل الأساسية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي، أو غربته عن الرأي العام الأوروبي. ربما أدت الغطرسة أخيراً إلى السقوط، ولكن في هيئة اتحاد بلا شعوب، حيث حلت المعاهدات في محل روح أوروبا.

* كان الوزير الفرنسي للشؤون الأوروبية أثناء الفترة من 1997 إلى 2002، ويشغل حالياً منصب نائب رئيس لجنة الشؤون الأوروبية في الجمعية الوطنية الفرنسية.

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق