محمد أبو رمان

في مواجهة تخبط سياسات التعليم العالي

تم نشره في الأربعاء 13 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

ما تزال حركة "ذبحتونا" تقدم خطابا ودورا رائدا في مواجهة السياسات الرسمية الارتجالية في التعاطي مع ملف التعليم العالي

في خطوة متقدمة ومتميزة، أعلنت حركة "ذبحتونا" أن يوم الأربعاء الموافق الثالث عشر من آيار من كل عام يوم للطالب (الأردني)، وذلك للفت انتباه الرأي العام والمسؤولين إلى الشأن الطلابي، وما يحمله من هموم وقضايا تستحق الالتفات إليها من قبل المؤسسات الرسمية والرأي العام والفعاليات السياسية والاجتماعية المختلفة.

ما تزال حركة "ذبحتونا"، منذ بروزها على المشهد المحلي قبل أكثر من عام، تقدم خطاباً ودوراً رائداً في مواجهة السياسات الرسمية الارتجالية في التعاطي مع ملف التعليم العالي، وهي السياسات التي أدت مع مرور الوقت إلى تدمير متواصل لهذا القطاع الحيوي في مصادر الثروة الإنسانية الأردنية.

حركة "ذبحتونا" خلقت نموذجاً جديداً متميزاً في التعاطي مع التحولات السياسية والاجتماعية الجديدة، في ظل عجز الأحزاب والقوى السياسية والمجتمع المدني، وقبل ذلك مؤسسة الشعب المفترضة "البرلمان"، في الدفاع عن قطاعات حيوية وشرائح اجتماعية واسعة تكتوي بنار الإصلاحات الاقتصادية غير المتوازنة.

وتمكّنت الحركة من الارتفاع بقضية الطلاب والجامعات، لتساهم بصورة واعية إعلامياً وسياسياً في لفت انتباه المسؤولين والرأي العام لهذا الملف الوطني الحيوي والأساسي، بل انتقلت الحركة في اهتماماتها وبياناتها حتى إلى "طالب المدرسة".

المفارقة، أنه وبالرغم من كل الأحاديث الرسمية حول خطورة ملف التعليم العالي، ومع بروز مؤشرات مباشرة على ذلك، ما يزال الوضع يسير نحو الأسوأ وليس الأحسن، وهو ما يمنح خطاب "ذبحتونا" ودورها الرائد أهمية كبيرة في وضع موضوع التعليم على الأجندة الوطنية، بل في مقدمتها، ولعلّ ابتكار مفهوم "يوم الطالب" جزء من هذه الاستراتيجية المجتمعية في مواجهة تخبط السياسات الرسمية.

مطالبة "ذبحتونا" بالحرية السياسية وباتحاد عام لطلاب الأردن هو ردّ مشروع على تغول "المنظور الأمني" على التنويري والمعرفي في الجامعات، ليس فقط في إضعاف النشاطات السياسية الطلابية، التي تساهم في إنضاج ثقافة الطلاب السياسية وبلورتها، وخلق حوار متطور حول القضايا الوطنية، بل حتى في إضعاف النشاطات الثقافية والتنويرية، ووضع اليد، بصورة غير مباشرة، عليها، من خلال إدارات غير كفؤة ولا مؤهلة لعمادات شؤون الطلبة.

تكفي المقارنة بين حال الجامعات الأردنية بين الأمس واليوم. فقد كانت جامعاتنا منارات للتعليم والتنمية الفكرية، تاريخياً وتقليدياً في هذا البلد، كما هي الحال الطبيعي في العالم، وساهمت في نشر الثقافة الاجتماعية المدنية، وفي تطوير ثقافة المجتمع المحلي، وخرّجت عشرات الآلاف من الأجيال الأردنية المؤهلة ثقافياً ومعرفياً وسلوكياً على مستوى المنطقة، ومنحت الأردن رأس مال وطنيا مثّل عماد الطبقة الوسطى الأردنية المناضلة، وشكّل مورداً اقتصادياً حقيقياً، وبات أنموذجاً متميزاً.

أما اليوم، لاعتبارات أمنية واجتماعية غير مدروسة، فحدثت عمليات "ضخ جائر" في الجامعات لأعداد كبيرة من الطلاب والموظفين والمدرسين غير المؤهلين، وتحولت البيئة الجامعية لتصبح مركزاً للعنف الاجتماعي والصراعات الأولية، وباتت عنواناً للأزمة المجتمعية وتفتيت الثقافة المدنية، التي من المفترض أن تبثها الجامعات في المجتمع.

البعد الآخر في خطاب "ذبحتونا" يتمثل في الجانب المالي، والرفع المتوالي للرسوم الجامعية، مع ضعف شرائح واسعة من المجتمع في التكيف مع التحولات الاقتصادية، ما يجعل من التعليم الجامعي الحكومي عبئاً كبيراً على أغلب الأسر في الطبقات الفقيرة والوسطى، بينما يفتح التعليم "الموازي" ذراعيه لأبناء الطبقات الثرية، بالإضافة إلى الجامعات الخاصة، التي يهتم كثير منها بالاعتبارات الربحية على حساب الجودة الحقيقية، وتعطي المجال لأبناء الطبقات الثرية حصرياً.

ارتفاع رسوم التعليم العالي، مع الأزمة الحقيقية التي يعاني منها التعليم الأساسي والثانوي الحكومي في ظل مؤشرات مقلقة، كل ذلك يخلق حالة من "الطبقية" في التعليم العام في الأردن، ويضعنا أما مخرجات جديدة تتمثل في تكريس ثقافة اجتماعية مأزومة تعكس الفجوة الطبقية، بعد أن كانت الجامعات والتعليم سابقاً جسراً للارتقاء الاقتصادي وبناء اللُحمة الاجتماعية.

فضلاً عن ذلك، فإنّ المسار الحالي للتعليم العام في البلاد، سيؤدي مع مرور الوقت إلى وجود صنفين من الخرّيجين، الأول يمتلك المهارات اللغوية والشخصية والاجتماعية للوصول والارتقاء، والثاني الذي يمثل الشريحة العامة، وتنعكس عليه أزمات التعليم الحكومي في المدارس وارتفاع تكاليف الجامعات الحكومية، ويعاني من أزمة حقيقية في تأهيله المعرفي وفي مهارات التعاطي مع سوق العمل والإنتاج.

إذن، وفي ضوء هذا الواقع المرعب للتعليم، فإن ما تقوم به "ذبجتونا" هو دور وطني بامتياز، يتطلب الدعم والمساندة من المسؤولين المخلصين في مؤسسات الدولة ومن المؤسسات السياسية والمجتمع المدني بأسره.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التعليم: واقع وطموح (د. مصطفى العدوان/ عميد كلية القدس)

    الأربعاء 13 أيار / مايو 2009.
    أخي محمد اشكرك على هذه المقالة التي تعالج مشاكل الطلبة الملتحقين بالجامعات الخاصة والعامة، لكن هناك فئة لا تجد الامكانات لذلك فتلجأ لكليات المجتمع على الرغم من معدلاتها العالية. ومع ذلك يقف التعليم العالي حجر عثرة في سبيل اكمال دراستها الجامعية على الرغم من تميزها.
    بصدق لدي في الكلية 86 طالب معدلاتهم فوق 80% لكنهم لا يستطيعون متابعة دراستهم الجامعية لارتفاع التكاليف.
    هناك مؤتمر يوم الاثنين القادم سيعقد في كلية القدس- شار المطار برعاية وزير التعليم العالي لبحث واقع الطلبة في الكليات وواقع التعليم العالي آمل أن تتمكن من الحضور للاهمية، كما آمل دعمك في سبيل توجيه الدعم المادي لمثل هؤلاء الطلبة المحرومين من أي دعم، وحتى من مواصلة دراستهم الجامعية إلا بشروط اقل ما يمكن أن يقال حولها انها ليست عادلة عندما ينظر الواحد منا لاتاحةالمجال أمام الطلبة من حملة المعدلات المتدنية جدا- النجاح فقط في الثانوية العامة- للالتحاق بالجامعة إذا توفرت لديهم القدرة المادية ويحرم المتميزون لفقرهم وعوزهم. وشكرا
  • »ان الاوان (محمد)

    الأربعاء 13 أيار / مايو 2009.
    ان المقال يعبر الى حد كبير عن راي شريحة كبيرة من الشباب طلاب الامس بغض النظر عن نمستوياتهم العلمية واعتقد ان الجامعات ليست موسسات اكاديمية صرفة بل لابد من ان يكون لها دور اجتماعي على ان الدور الاكاديمي هو الدور الاساسي والا ماذا يعني وجود مساقات في كل الجامعات المرموقة عالميا تدرس العلوم الاجتماعية وخدمة المجتمع والتاريخ والعمل الخيري احيانا لذلك فالمرحلة الجامعية في حياة الانسان هي من اهم المراحل في حياته وهي غالبا ما تقرر شخصية الانسان بعدها ولذلك لابد من ان يكون الاهتمام بكل جوانب البناء للانسان في هذه المرحلة وخاصة بناء الفكر و الانطباعات عن المجتمع و المحيط ولذلك نجد ان اكثر مرحلة يمكن استقطاب الانسان فيها هي مرحلة الدراسة الجامعية وهذا ما يرتب على الادارات الجامعية مسؤولية كبيرة والاخطاء التي ترتكب بحق الطلبة الجامعيين هي بحق اخطاء بحق المجتمع و تاثيرها يتعدى كثيرا مستوى الجامعة كموسسة ليطال المجتمع باسرهولذلك انا اوافق على ما ذكره الكاتب تماما و ادعو الادارات الجامعية المختلفة الى صياغة نموذج راقي و مدروس وشجاع ايضا في التعامل مع صناع الغد الطلبة الجامعيين و رمي كل ما يعلق في الذهنية من مخاو امنية ولا اعني هنا انترك الامور على عاهنها فالحرص مطلوب والامن هو راسمالنا في هذا البلد ولكني ادعو الى استثمار هذا الراسمال لصالح ابناء هذا البلد وهم خير من يحفظونه وينمونه ويزيدون عليه.
  • »التخصص! (مراقب من الزاوية الأخرى)

    الأربعاء 13 أيار / مايو 2009.
    من المعروف أن كتاب الأعمدة اليومية يعانون كثيراً في البحث عن مواضيعهم التي يطرحونها للقراء، لكن مع ذلك نجد كثيراً من الكتاب يتخصصون في مجال معين، و لا أقول موضوع معين، و ما نراه بالنسبة للكاتب المحترم هو أنه مرة يتجه نحو الحركات الإسلامية، و يبدو له فيها معرفة جيدة، و لكنه هذه المرة يخرج عن المدى الذي رسمه لنفسه، فجاء المقال فيه الكثير من الإشكاليات.
    الجامعات مؤسسات أكاديمية، و تقييمها يكون من ناحية أكاديمية، و الحكم على مخرجاتها يكون من ناحية أكاديمية، لذلك ليس ترفاً أن نقول أن من يكتب في هذا الموضوع يجب أن يحلى أسمه بالمقطع الأول (د.) و إلا كنا لا نحترم التخصص