الانكماش أم التضخم؟

تم نشره في الاثنين 11 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

أيهما أكثر ضررا، حدوث الانكماش والتراجع في الاقتصاد أم التضخم، وما هي خيارات السياسة النقدية للتعامل مع هذين الوضعين؟ في الحالتين لا يقرر البنك المركزي النتيجة، لكنه يتخذ الإجراءات الكفيلة بمنع وقوع أحد الضررين بناء على معطيات المراحل السابقة وتنبؤاتها، وهذا الواقع يجعل صنع السياسة النقدية مسألة معقدة، وليس بالضرورة أن تكون استجابة البنوك المحلية والمستثمرين كما هو مخطط لها أو متوقعة بناء على النماذج النظرية للسياسة النقدية، بل تكون مبنية على واقع السوق، والعرض والطلب وتوفر الائتمان والظروف العالمية.

في حالة الاردن، فإن كافة التوقعات تشير الى أن النمو في الناتج المحلي المقدر بنسبة 5.6 في المائة لن يتحقق، ووفقا للأداء خلال الربع الأول من العام، فإن النمو سيبلغ على الارجح 4 في المائة وهو تراجع بنسبة 30 في المائة تقريبا عن المتوقع في حسابات الموازنة وإيراداتها، وهذا يتطلب ضرورة البحث عن مصادر جديدة للإيرادات أو تقليص النفقات حتى لا يتسع العجز في الموازنة ولا تتوسع الحكومة في الاقتراض من السوق المحلية بما يؤدي الى شح الائتمان المتاح للقطاع الخاص وبالتالي الدخول في دورة حلزونة من الهبوط المتواصل.

النمو الإيجابي الأقل من المتوقع لا يعني انكماشا، بل يعني تباطؤا في الأنشطة، وفي الأردن يرافق ذلك معدل تضخم ضمن الحدود المقبولة حتى الآن، فهل نرضى بهذه النتيجة أم نسعى الى تحفيز الاقتصاد على أمل تحقيق نمو بدرجة أعلى؟

في الحقيقة هناك هامش أمام السياسة النقدية للتحرك وتشجيع البنوك على ضخ المزيد من السيولة في السوق، لكن يجب أن لا نتوقع أن البنوك ستعمل وفق نصائح "المركزي"، فهي تقرر ما الذي ستفعله في ودائعها التي ترتفع بسبب ارتفاع سعر الفائدة على الدينار، حالة اللايقين في السوق، وكذلك تخفيض سعر فائدة نافذة الإيداع للمركزي والذي يعني عوائد أقل للبنوك التجارية، وخلال الربع الأول من العام تراجعت إيرادات البنوك بشكل واضح بسبب التشدد الذي أبدته في الإقراض، وتخفيضات "المركزي"، وهذا يعني أن البنوك، وهذا ما سنشهده قريبا، ستبدأ بتسهيل وخفض أسعار الفائدة لأفضل العملاء خلال المرحلة الأولى وصولا الى الزبائن العاديين، وما يجب ملاحظته هو أن الخفض المتوقع لا يأتي استجابة لمطالب البنك المركزي المتواصلة بل تفرضه معطيات السوق وإيرادات البنوك.

لكن هذا التحليل يفترض أن البنوك تهدف الى تعظيم الربح وتسهيل منح الائتمان ضمن الشروط المحددة، وإذا لم يحدث، فإن التباطؤ والنمو بحدود 4 في المائة يمكن أن لا يحدثان، وهو ما سيقود الى بدايات الانكماش الذي يعتبر وفقا لتصنيفات الاقتصاديين أكثر ضررا من التضخم، فالانكماش ينشر حالة من الضبابية ويصبح خيار انتظار تحسن الامور هو العنوان، والأصل أن يتم العمل على تجنب الوقوع في الانكماش لأن الخروج منه أصعب بكثير من عكس السياسة المرتبطة بالتضخم، وفي مجال السياسات المتاحة، فإن هذا يعني المزيد من تخفيض سعر الفائدة على الدينار، الذي يعتبر جاذبا للمدخرات حاليا، ومحاولة كبح شهية الحكومة في الاقتراض من السوق المحلية كي نضمن توفر سيولة لمختلف الأغراض (الأفراد والمؤسسات) تضمن تحقيق الحد الأدنى من النمو.

الوضع الأمثل هو تحقيق نمو كبير ضمن حدود تضخم مقبولة، وتحقق هذا في الاردن لسنوات عديدة، لكن الخيارات وواقع السوق العالمية تشير الى أن الاستمرار ليس ممكنا وعلينا التضحية بهدف لصالح الآخر على صعيد السياسات المتبعة، والتعايش مع نسبة تضخم معقولة أقل ضررا من الوقوع في براثن الانكماش.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التضخم ام الانكماش (anmar tameem)

    الاثنين 11 أيار / مايو 2009.
    كل ما قيل قد يكون صحيحا بافتراض ان حجم اقتصادنا ليس صغيرا، مقاسا بالناتج المحلي الاجمالي، وبافتراض كذلك ان سبب الازمة الحالية هو سبب محلي الامران اللذان يمكننا من استخدام الادوات المناسبة التي تجعلنا قادرين على التاثير في الاحداث الاقتصادية العالمية (ان الواقع على خلاف ما تقول.) كما اود ان اشير الى ان الاغفال المتعمد لسعر صرف الدينار الثابت مقابل الدولار، يضعف كثيرا ما توصلت اليه من نتائج. مع الاحترام