على حافة النسيان

تم نشره في الخميس 7 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

نحمل الفوانيس و"اللوكسات"، ونتوجه إلى بيت الجيران للاحتفال بزواج ابنهم.

"التعاليل" ستستمر أسبوعا كاملا. فرصة نادرة، للإفلات من رقابة الأهل، وممارسة ألعابنا حتى وقت متأخر، من دون اعتراض أو توبيخ.

في الحوش الأمامي، يصطف الرجال في حلقة دائرية شابكين أيديهم، يدبكون بفرح، فيما أصوات تغني بحبور "يا اللي فوق يا اللي فوق ارحم حبيبك يا الليم الدبيكة على الأرض، والغبار يتصاعد من تحت أقدامهم، فيبادر أخو العريس إلى رشّ الماء على حواف حلقة الدبكة للحد من تصاعد الغبار.

في الفناء الداخلي: تتعالى زغاريد النساء..

وتغني الصبايا "يا زريف الطول ويا محمد علي، الله يعين اللي بهواكم مبتلي..".

تأسرنا الأصوات القادمة من الداخل، فنسير كالمأخوذين باتجاهها. ندلف الباب الضيق إلى الفناء الداخلي و"نندحش" بسرعة بين الأجساد الطرية والجميلة للصبايا المتأنقات، اللواتي ينتظرن دائما هذه المناسبات لعرض جمالهن لأمهات الشباب العزاب.

الرؤوس المرسلة من دون أغطيتها المعتادة، والأذرع العارية إلى ما فوق المرفق، مشاهد لا تراها إلا في مناسبة كهذه.

نتشمم الروائح اللذيذة التي تعمر المكان، فيما الفتيات يتمايلن بغنج ودلال على إيقاع أكف الأخريات..

أدمن الجلوس بينهن، ما دام متاحا لي..

..وكأنني كنت أعلم، بأنني سوف أطرد من هذه الجنة في زمن آت، عندما أدرك نداء الجسد..

***

جدتي تبحث عني.

أكرهها هذه العجوز التي لا همّ لها سوى نظافتي، فأسارع إلى الاختباء بين أوراق شجرة الدالية الكبيرة.

أستمر في الاختباء إلى أن تجتاز مكاني، وحين أطمئن إلى ذهابها وأحاول أن أخطو أولى خطواتي في الحوش، أجد يدها تمتد إلى عنقي وهي تصرخ:

يا عكروت. تختبئ مني. هيا سأحممك.

وتبدأ المعركة اليومية، حينما أجد نفسي عاريا وسط "اللقن" المعدني، والصابون يغطي أنحاء جسمي.

أمنيتي الوحيدة، كانت أن أهرب من تحميمها لي، ولو مرة واحدة.

ولكنني اكتشفت أنني فزت بأكثر من مرة واحدة، حين سرت همهمات مبهمة في بيتنا الذي امتلأ بالزائرين الباكين.

"جدتك ماتت". تخبرني أمي، وهي تضمني إلى صدرها، وتبكي.

أعرف أن الذين يموتون لا يعودون أبدا، فأشعر بفرح داخلي لهذه النتيجة.

أخيرا سوف لا يكون لزاما علي أن أتعفر بالماء كل يوم.

mwaffaq.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ذكريات غاليه (mona)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    تحياتي للكاتب
    مقال حلو كثير اعاد ما ضاع من ذكريات طفوليه غالية علينا ترتبط بجداتنا اللواتي كن لنا الرفيق الحنون الذي يدافع عنا في حال اخطأنا امام والدينا وكن من يسردن علينا القصص الجميله التى كنا ننام على انغامها ونصحوا على رائحة الخبز الذي تعده الجدة بين يديها لتقدمه لاغلى احفاد على قلبها والقصص هنا تطول عن الجدات وما فعلن من اجلنا نحن الاحفاد العابثون.
    رحمك الله يا جدتي الغاليه كم كنت احبك وما زلت.
  • »الجدات لا يموتون!!!! (رنا عمرو)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    عندما رحلت جدتي عن هذه الحياه لم اكن اعرف معنى ان يموت المرء غير اني اعتقدت يومها ان جدتي اشتاقت لجدي فرحلت حيث تعانقا معا تحت جذع برتقالة!!!بالليل كانت تجمعنا حولها وتحكي لنا حكايات خاطئة عن الرسول والصحابة..وعندما تنهرها والدتي..تصرخ جدتي انت ما بتعرفي انا العلامة حكولي..غير انا لم يكن يعنينا سوى الألتفاف حولها ..بالنهار كانت تسأل امي ان تحضر لها القران وكانت امي تقول لها انت لاتعرفي القراءة فتنهرها جدتي احضري الكركان بدي اكرأ..وتحت اصرارها كنا نحضرالقرأن لها ولم تكن تحفظ منه سوى سورة الفلق فكانت تفتح اول صفحة وتضع كفها عليها وتحركها وهي تردد..كل اعوذ برب الفلك من شر ما خلك ومن شر غاسك اذا وكب ...وتنتقل للصفحة الثاني وتضع يدها وتعيد قراءة سورة الفلق بطريقتها حتى تنهي صفحات القران كله...في اخر ايامها اصابها رحمها الله المرض والوهن الذي اقعدها الفراش ورغم ذلك كنت اراها تزحف بالليل على اقدامهاوكفيها حتى تصل للمياه فتتوضأوتصلي واتذكر كم مره صحونا عليها وهي تحاول الوضوء وقد سقطت ارضا في منتصف الليالي وفي العتمه..لن انسى بحياتي كلها وجهها الطافح بحزن العالم بأسره عندما سلمت الروح ..شعرت بالعجز والم لم انسى طعمه حتى اللحظة..رحمة الله عليها ستبقى حاضرة رغم الغياب وللأبد...
  • »الى المبدع (تمارا)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    لساني يعجز عن التعليق على مقالاتك الساحره
    شكرا جزيلا لك ايها الكاتب المبدع
  • »حكايات لم تمت (روابي)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    ايها الموفق.. عباراتها عاشت معك .. ورثتها عن جدتك.. وما علمتك عليه باق معك ..فما زلت تتعفر بالماء كل يوم.. وقد ماتت جدتك ..ولكن لم يخرق الحصار.. ولم تنتزع الاهات من ذاك الرداء الاسود ..اعماقنا ما زالت تهزنا والواقفين هناك .. ينتظرون ليصلوا للحياة ويسمعوا حكايات لم تمت حين ماتت جدتي ..فلن تعود جدتي ..
  • »أصداء صوتك جدتي تشدو هناكْ (ربى احمد)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    "أصداء صوتك جدتي تشدو هناكْ…
    مدّي يديك إلى حفيدتك الحزينه..
    ضمي إليك صبية الزمن البعيد.."
    رن الهاتف..أرسلت حناجري صرخة..وانهمرت الدمعة..
    كيف ترحل جدتي عن الدنيا.. ما زلنا بحاجتها لنحيا...لم نجتمع ثانية بدونها ...

    قاومت الافكار...رفضت المصير.. وصارعت الاقدار..
    اذكرها.. أفتقدها.. فأبكي.. تواسيني الأيام التي امضيتها معها ..

    لقد رحلت جدتي.. ومضت في طريقها إلى السماء عادت متحررة من كل شيء ...إنها الآن خارج الزمان وخارج المكان.. في مكان بعيد ..في بيتها الجديد ..

    رحلت وتركت حكم وحكايا وعبر ودروس لكل من عرفك...

    بيتك الجديد هذا لن يسعد بضحكاتك.. ولن تبلل حوائطه دموعك..لن يستنشق عطر أثوابك...
    ولن تحكي فيه اي من حكاياتك..

    فالقدمان ساكنتان.. والقلب الذي حّلق بالحب وانزوى بالقلق وتردد بين اليأس والرجاء ساكن أيضا..
    السكون هنا سرق منك كل هذا وهرب بكل التفاصيل الأخرى .... حتى أنت لست هنا..
    وانت لست هناك في غرفتك..سريرك فارغ.. تلفازك صامت.. والقهوة باردة.

    ترى هل أدرك من حملوهاوهم يمضون بها مسرعين ليضعوها في بيتها الجديد ..هل أدركوا أنهم إنما يمضون بكتاب من الحكمة والحكايا الكثيرة... بكم من الآلام.. بباقة من الآمال..وتجمع عائلةواحفاد من كل البلدان..هل ادركوا ضياع هذا كله..

    وهم يهيلون التراب عليها ..هل أدركوا أنهم يهيلون التراب على "سيزيف وصخرته".. فهل الحياة اليومية المحكومة بالابتداء من جديد باستمرار تستحق أن تعاش..

    اعلم انك قد تكونين الآن بصحبة من ودعوك قبل زمن طويل: جدي انتطرك طويلا هو بشوق لك.. بناتك الثلاث يتوقون لضمك ..
    جدتي زورينيا خفية - كما تفعل الملائكة- وضع قبلة على جبيني كما كنت تفعلين دائما .وانثري بعضا من رضاك عنا في زوايا المكان...خبريني جدتي بقصص جديدة منك قولي لي .. كيف تستقبل الأرواح بعضها.. كيف تحتفي بالقادم الجديد...أي نوع من الاحاديث تتجاذب.. وكيف تستقبل حياتها الجديدة..
    اشتاق لك الجميع ...ما زلت معنا ..رغم غيابك ..
  • »حين يكون الحزن ساخراً (حمزة مازن تفاحة)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    صديقي الرائع موفق
    مقال موفق ورائع كعادته
    عندما تتحول المشاعر الى فرضيات او اعتبارات ليست بالضرورة ان تكون حقيقية ..!
    ثمة فسحة لحنين يتسلل الى داخلنا يشدنا الى تلك التفاصيل الحميمة التي كانت تغدق علينا كأس المرح والانتعاش وحب الظهور والتأقلم في مرحلة هي من امتع الاوقات بغض النظر عن الممارسات الجبرية التي كانت تمارس علينابداعي اننا قليلي خبرة.
    ثمة حنين للعودة الى الوراء بدون النظر في مرآه الحياة الكئيبة العودة من اجل استراق السمع لاصوت تلك الفتيات اللوزيات ، بالاضافة الى التمادي في الرعونه في متابعة حركاتهم ومعاينتهم بطريقة تدعو احداهن لتوجية صفعة مدوية على الخد وهي تقول (استحي على حالك يا هامل) ومن فرط اناقة صاحبة الصفعة تقوم باعطاءها الجهة الاخرى ايضا.!
    والاهم الحنين الى امرأه طاعنة بالسن هي ام البركات وزينة القعدة ايضاً..
    وها انا اكررها يا ملكاوي باني احبك جداً