مفهوم أوسع للصدقة

تم نشره في الأربعاء 6 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

 

اعتمادا على ما كتبه الزميل ياسر أبو هلالة أمس حول ضرورة الحد من بناء المساجد لصالح دعم الثقافة والمكتبات ..., فإنني اعود الى التذكير وتبني فكرة طرحها الزميل ابراهيم غرايبة في عقد التسعينيات تتحدث عن مفهوم جديد للصدقة, وبناء وعي لدى المواطن بمفهوم واسع للخير والأجر والثواب, وإقناعه ان هناك اعمالا خيرة كثيرة تجلب رضا الله تعالى تضاف الى بناء المساجد, ونقول بناء المساجد لأنها اعمال تحتاج الى تمويل كبير يصل الى عشرات ومئات الألوف من الدنانير.

وقبل أن نذهب بعيدا، فإن الامر ليس تقليلا لا سمح الله من اهمية وجود المساجد، أو ضرورتها، لكن الحديث عن مفهوم واسع للخير والصدقة، وبخاصة عندما تكون قرانا ومدننا لا تحتاج الى مزيد من المساجد بل الى مزيد من روادها.

هذا المفهوم له الكثير من الامثلة في السنة النبوية، التي جعلت الانسان هو القيمة الأهم، واعتبرت هدم الكعبة حجرا حجرا اهون على الله تعالى من سفك دم امرئ مسلم، وجعلت اجر من يمشي في حاجة اخيه اكبر من اعتكاف في مسجد النبي شهرا ...., انه مفهوم واسع للخير هو ما يحتاج منا الى فقه يقوده اهل العلم والفتوى والفكر من الثقات.

الامر ليس تنافسا بين بناء المسجد وغيره من افعال الخير، لكن الحاجة الى ان نجد فهما وقناعة دينية ان قرية فيها مسجدان مثلا لا تحتاج الى مسجد ثالث اكبر من حاجتها الى انفاق كلفة بناء المسجد على انشاء مصنع صغير لتشغيل عدد من بنات وشباب القرية وإنقاذ بعض عائلاتها من الفقر والعوز, أي بناء مفهوم تنموي للصدقة يحافظ على قيمتها ومكانتها كعبادة كريمة لكنها تقدم للمجتمع نفعها في مجال يحتاجه, وهذا الفهم يمتد كثيرا ليصنع مفهوما واسعا للصدقة وفعل الخير, فأيهما أنسب من ناحية فائدة المجتمع ان نخصص مبلغا ماليا لتدريس ابناء العائلات الفقيرة في المدارس او الجامعات ام بناء مسجد في قرية او حي فيه حاجته من المساجد, فإن لم يكن فيه مسجد فتلك مسألة أخرى.

هنالك اماكن في بلادنا تجد محسنا او حملة تبرعات لبناء مسجد في ظل وجود مساجد جديدة, بينما عائلات لا تجد حاجتها من اساسيات الحياة, او يعاني شبابه وبناته من العنوسة والزواج المتأخر وآثاره المدمرة على المجتمع, فأليس مساعدة الشباب الفقير على الزواج وتجنب الفتن عمل خير وصدقة جارية وفعل يرضى عنه الله تعالى؟ هذا هو الفعل الذي نحتاج ان تبذل فيه جهات من اهل العلم جهدا لإعادة تعريف الصدقة وفعل الخير وبناء حالة متقدمة من الاولويات لدى المجتمع وأهل الخير والاحسان وحتى التبرعات, لأن هناك فهما يجعل فعل الخير محصورا في قائمة محدودة وكأنها الاعمال التي ارادها الله تعالى فقط, تماما مثلما نشاهد في رمضان العديد من "موائد الرحمن" اليومية التي لاتأتي لها العائلات الفقيرة ولا تحدث أثرا لفئات تحتاج الى موسم الخير في رمضان, بينما يكون مناسبا البحث عن اسرة وتوفير عمل لرب الأسرة افضل اجرا وأثرا من وجبات جاهزة لا تحل مشكلات حقيقية وينفق عليها آلاف الدنانير اسبوعيا.

هنالك مشكلات كبيرة ظهرت في المجتمعات مثل البطالة والعجز عن توفير متطلبات التعليم او العلاج او مشكلة تكاليف الزواج او بناء مشروعات تنموية تعود بالحياة على محيطها وكل هذا يدفعنا لدعوة اهل العلم لتوجيه اهل المال والاحسان لتوسيع مفهوم الصدقة والصدقة الجارية, فبناء المسجد فعل كريم أجره عظيم عند الله تعالى, لكن من يفرج كربة انسان وينقله من عجز عن العمل الى عامل, او يوفر له فرصة لتعليم ابنه او اشاعة الحياة في نفس شاب عاجز عن الزواج, كل هذا ايضا عمل عظيم يحتاج الى انفاق بل الى مؤسسات تقوم على توجيه الانفاق له.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المفروض أن تكون المساجد نقطة اطلاق ثقافية (ديمة)

    الأربعاء 6 أيار / مايو 2009.
    لماذا لاتفعل المساجد لتصبح مراكز ثقافية مثل ما كان في ذروة العصور الاسلامية في بغداد و الاندلس..
  • »العوامل الأكبر هي وراء العديد من القضايا (بدر)

    الأربعاء 6 أيار / مايو 2009.
    المطلوب إيجاد معادلة موضوعية لبناء المساجد تأخذ بعين الإعتبار التعداد السكاني والإنتشار السكاني في المنطقة المقصودة لبناء المسجد في منطقة ما. غير ذلك لايمكن ولايجوز منع اية جهة من بناء بيوت العبادة. القضية هي قضية توعية وليست قضية حظر. ظاهرة الغلو في الدين ومنه بناء المساجد بدون اية إعتبار لأولويات أخرى يحتاج لها المسلمون ليبنوا حضاراتهم من جديد هو جزأ لايتجزأ من ظاهرة العزوف عن بناء المستقبل لمصلحة ما بعد الموت. عندما يحس الإنسان بفقدان السيطرة على حياته بسبب القمع المستشري يبدأ بالتفكير في عالم يستطيع السيطرة على مخرجاته, كما هو يعتقد, الا وهو عالم الآخرة. لايمكن معالجة الأمور الإجتماعية الغير طبيعية في معزل عن المشاكل والعوامل المسببة لهذ الوضع الغير طبيعي.
  • »روعة (محمد)

    الأربعاء 6 أيار / مايو 2009.
    والله ان المقال أكثر من رائع و مناسب جدا لما نحن فيه و جزاك الله خيرا ايها الكاتب. مع الملاحظة ان المقال يمكن ان يعمم بشكل أكبر لان هناك اشياء كثيرة يدفع عليها أموال طائلة سنويا و لكن لو وجهت تلك الاموال الى حل مشاكل الناس المحتاجة لكن خيرا و الله أعلم.