"البيع بالحاضر لا بالكريدي"

تم نشره في الخميس 30 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

تجربة التعليم بالعربية نجحت وأثبتت أنها قادرة على ايصال المعنى وجعل الشباب أكثر وعياً للنظام السياسي

هذه الجملة التي لم أفهمها للوهلة الأولى، والتي تعني "البيع نقداً وليس بالدين" وجدتها معلقة في بعض دكاكين القيروان خلال زيارة لي في نهاية الأسبوع الماضي، وهي تعكس واقع الحال فيما يتعلق باللغة العربية والتعريب وصولاً الى الهوية الوطنية القائمة وسط الهوية القومية المفترضة.

وهذا الشأن او الشجن تلبسني خلال الشهر الماضي بعد زيارة لي الى المغرب. كان معي في الندوة زميل مشرقي، وكنا نلاحظ أن الزملاء المغاربة حين يتحدثون معنا كان التفاهم على أعلى مستوى، أي كنا نتحدث لغة واحدة ونناقش فيها قضايا تاريخية، كما كنا نتبادل آخر النكات في لحظات المرح. ولكن الوضع ينقلب حين ينسى الزملاء أننا معهم ويتحدثون بسرعة فيما بينهم فلا نعود نفهم شيئاً. ويعترف أحد الزملاء ان المغرب باعتباره كان تحت الاستعمار الفرنسي والاستعمارالاسباني، وبحكم مكوناته العربية والبربرية والافريقية، تتميز لهجته بهذا الخليط على مستوى الحديث في الشارع.

ولكن في الشارع نفسه نجد اليافطات كلها في العربية، ولو في عربية تتميز في بعض مفرداتها عن عربية المشرق. ففي اليافطات نجد في الشوارع "مخدع هاتفي" (محل اتصالات هاتفية) و"كراء السيارات" (تأجير سيارات) و "منعش عقاري" (وسيط عقاري) الخ.

وقد كان الزميل المغربي يقر بالقرب بين اللهجة المغربية واللهجة الجزائرية وبالبعد مع اللهجة التونسية، التي هي الأقرب الى المشرق. ولكن زيارة الأسبوع الماضي تجعل المشرقي يشعر أنه ما يزال بعيداً عن اللهجة التي هي الأقرب الى المشرق.

في تونس تبدو منذ الآن شعارات الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة كلها باللغة العربية الفصحى، وكلها تشيد بما تحقق في البلاد في سنوات الرئيس زين العابدين بن علي، ولكن لا نجد من بينها ما يتعلق بالشأن اللغوي او الثقافي كأنه لا توجد هناك مشكلة في الأساس.

وفي الواقع أن المسألة كانت مرتبطة بالارادة السياسية السابقة حول مفهوم أو حجم التعريب على مستوى التعليم. فقد روى أحد المخضرمين الذين كانوا يتحمسون للتعريب على مستوى التعليم الجامعي أنه وصل الى مسامع الرئيس السابق الحبيب بورقيبة ان هذا الأستاذ قد دشن تعريب التدريس في مجال الفلسفة فاستدعاه على الفور ليسأله بحدته المعروفة والمحببة: "وهل يوجد فلسفة عربية؟ وهل يمكن فهم الفلسفة في اللغة العربية ؟".

وهنا رد عليه الأستاذ المخضرم أن التجربة نجحت وان العربية قادرة على ايصال المعنى وجعل الشباب أكثر وعياً للنظام السياسي، مما جعل بورقيبة يهدأ ويقر الأمر. ومن الواضح هنا ان الامر لا يتعلق أحياناً بالارادة السياسية للحاكم بل بالقنوات التي توصل إليه ما يحدث خارج القصر.

وفيما يتعلق بتونس الآن لم تعد القضية قضية نظام بل قضية أفراد، حيث يتصرف كل فرد حسب تكوينه الأكاديمي وتفكيره الثقافي. ففي الندوة الدولية التي شاركت فيها عن تاريخ القيروان كان كل الزملاء التوانسة، مع استثناء واحد ، يتحدثون بلغة عربية سليمة.

وحتى ذلك الاستثناء لم يمر من دون اعتراض اذ احتج عليه د. حسنين ربيع، رئيس اتحاد المؤرخين العرب، وطالب بترجمة فورية أو ترجمة ملخصة مذكرا بالمستشرق الجليل جاك بيرك الذي احتج مرة وانسحت من ندوة تقام في فرنسا لان أحد المتحدثين تحدث بغير الفرنسية وبغير ترجمة فورية الى الفرنسية. ولكن المفاجأة كانت حين اعتلى المنصة الشاعر اللبناني صلاح ستيتية وتحدث عن القيروان باعتبارها مصنع الشعر، حيث انه اعتذر عن الحديث باللغة العربية والقى المحاضرة كاملة باللغة الفرنسية!

في تونس، كما في بلاد المغرب، يشعر المرء بالغياب العربي المشرقي في بلاد تعيش على السياحة. وفي الحقيقة يسر المرء لما تحقق في تلك البلدان، وخاصة في تونس والمغرب، من بنية تحتية وصناعة سياحية ولكن معظم السياح يأتون من دول الاتحاد الأوروبي بينما السياح العرب في المشرق يفضلون لاعتبارات معروفة الذهاب الى تركيا القريبة او الى بلاد الشرق الأقصى البعيدة على القدوم الى بلاد المغرب.

ما يعوض هذا الوجود العربي هناك هو الحضور الطاغي للمسلسلات المشرقية، وخاصة السورية، التي جعلت اللهجة الشامية مفهومة في السنوات الأخيرة. فالمرء يفاأ بالشخوص والرموز المشتركة (شخصيات وعبارات مسلسل "باب الحارة") التي أصبحت تربط المشرق بالمغرب، حيث انها قد لا تكون هي الشيء المرغوب ولكنها الامر الواقع.

[email protected]

التعليق